Digital solutions by

ساري وعياد خليفة في "صوبيا": قصة عمر سرداها بالألحان

14 آب 2018 | 17:11

المصدر: "النهار"

ساري وعياد خليفة.

كنسمة صيف منعشة، وقطرات ندى طرية وسط حقل من الجفاف، أطل الأخوان ساري وعيّاد خليفة بعمل موسيقي "صوبيا" من 9 مقطوعات، فيه عوالم موسيقية منوعة، وأنماط مختلفة مزجاها فخلقا من خلالها نمطاً جديداً فيه الكثير من الحنين والاحتراف والنضج. 

ساري وعّياد خليفة تشرّبا الموسيقى مع جيناتهما، والدهما عازف الكمنجة ورئيس القسم الشرقي في المعهد الوطني العالي للموسيقى طوني خليفة، حرص على أن يبدآ باكراً بتعلّم الموسيقي، وهما في عمر الخمس سنوات. قادتهما مهارتهما الى العزف في سن مبكرة مع الفِرق الكبيرة في مهرجانات دولية، ومع عمهما مرسيل خليفة وخالهما شربل روحانا.

أجواؤهما الموسيقية العائلية لم تقف عائقاً أمام تحليقهما بجناحيهما الخاصين، والتحدي الذي واجهاه هو اعتماد خط موسيقي مختلف عن سائر أفراد الأسرة الموسيقية المبدعة.

توجها إلى فرنسا للدرس فيها والالتحاق بمعاهدها الموسيقية وتبوؤ المراكز الأولى فيها. وتخصص ساري في العزف على التشيلّو وعيّاد على البيانو، وسوية تابعا دراسات في التأليف والارتجال. اليوم عيّاد أستاذ موسيقى في كونسرفتوار ايفري في ضواحي باريس، وساري عضو في الأوركسترا الوطنية في ستراسبورغ.

"صوبيا" هي أسطوانتهما الثانية بعد"نسيج" العمل المشترك مع مايك ميسي، الذي صدر عام 2014 وتميز بدمجه الموسيقى الشرقية مع الموسيقى الغربية الكلاسيكية والمعاصرة، وفيه استخدم الغناء وكأنه آلة موسيقية قريبة من النوع الصوفي.

"صوبيا"، نافذتهما الى الحنين ونوستالجيا الطفولة، فيها جاز أكثر وحركة موسيقية وديناميكية تجذب الشباب، مع الحفاظ على النوعية الموسيقية الجيدة والراقية.

عمل راقٍ وجميل دعمه الصندوق العربي للثقافة والفنون "آفاق" المؤسسة الثقافية التي تدعم مادياً مشاريع مستحقة بكافة المجالات الفنية، ويحتضن غلاف الأسطوانة إلى الموسيقى كلمة كتبها مرسيل خليفة بخط يده تحت عنوان "انا عاشق ولست بكاتب" يقول: "اشتعلت "الصوبيا" في شفتي اللهيب كرائحة الضوء في سنبلة القمح، وفرحت بأقصى ما استطعت بحرارة موسيقى ساري وعياد خليفة. ألتمس عذراً باقتحامي عري هذا الجمال. أكتب كل ما أُحسّه وأنكسر من الحب أحياناً ولا أججيد الكتابة. وأتمسّك بالوحي مرشدي إلى الشعور الخالص والى أمل يؤنسني. أغرتني هذه الموسيقى. تمايلت كالشعر المقفى بالشهوة، ريحة طعم الوتر المشدود الى التشيلو والبيانو. هناك شي واحد يبرر كلمتي. شيء واحد يجعلني أكتبها. هذا الشيء هو حبي لصوبية ساري وعيّاد. أنا عاشق ولست بكاتب كتبت من أجل الموسيقى وكتبت لساري وعيّاد. ساري وعيّاد شكرا لكما" 

في حديث لـ"النهار" قالا إن "الموسيقى دون غناء أتاحت لنا حرية التصرف مع الآلات، وبالإمكان اكتشاف كل طاقات الموسيقى دون حدود، وأخذ التشيلو في هذا العمل مكان الصوت البشري، وكان صلة الوصل بين كل أنواع الموسيقى الكلاسيكية والجاز والمقامات العربية".

تشيلو ساري خليفة أخذ بُعداً ليريكيًّا في هذا العمل، وبيانو عيّاد الركيزة في الموسيقى الكلاسيكية الغربية، أيضاً أخذ بعداً آخر، وترافق بتناغم مع التشيلو في دمج بديع للأنواع الموسيقية، تطلب جهداً وإتقاناً لفن التأليف الموسيقي، ومعرفة دقيقة بالأنواع الموسيقية لدمجها بجمال واحتراف.

لماذا "صوبيا"؟ "هي صورة انطباعية، البعد الأول هو جمال المدفأة وزخرفاتها، والبعد الآخر هو لقاء العائلة حولها وتشارك الدفء والطعام والشراب، هناك العديد من النوستالجيا في هذا العمل، وذكريات مرّت وطفولة صارت بعيدة، استخدمنا لون الأزرق البارد في صورة الصوبيا وصورنا وبعض الأحمر كانعكاسات لها.

عملنا على موسيقى يجب ان تكون بعمق هذه الذكريات، فمن غير الممكن أن نقدم شيئاً سطحيًّا".

ليست كل مقطوعات الأسطوانة مرتبطة بعنوانها، "صوبيا"، هي مقطوعة دون إيقاعات، تحمل على الحلم والنوستالجيا وأنها ليست الواقع، بل قصة عمر نسرده بالألحان، الأسطوانة كثيفة في "صوبيا" نسمة حلم وحنين لأيام مضت، فيها اشتياق الى ما خسرناه، طفولتنا وأيامنا الجميلة تلك فيها هبوب العاصفة والهدوء الذي يليه. ألّفنا المقطوعات كلحن وتوزيع سوية، ولم نترك مجالاً للموسيقيين كي يضيفوا أي شيء، لأننا أردنا أن نحافظ على ما نريد إيصاله بشكل حقيقي للصورة التي أردناها، في الحفلات نعطي مجالاً أكثر للموسيقيين في الارتجال".

"المعزوفة الأولى "أرض الغجر الضائعة" كأنها تتحدث عنّا ساري وأنا، يقول عيّاد، تمثل كل المغتربين والذين انتقلوا من بلد إلى بلد آخر وتركوا وراءهم الأرض ويبحثون عن مكان أفضل وطبعاً لن يجدوا الكمال أو أفضل من أرضهم. مونومانيا" حالة نفسية عن أشخاص لا يمكنهم تخطي فكرة معينة إلا بمساعدة طبية. عند الفنانين هذا الطبع موجود. فعند الموسيقيين مثلاً هناك فكرة موسيقية تسكن أفكارهم في هذه القطعة ميلوديا على مقام الصبا، وهو معروف بالشجن، عالجناها بكل الأشكال وفي كل مرة عودة إلى المقام، إنما بطريقة مختلفة، وآخر عودة كانت دخولاً إلى أجواء مختلفة أكثر هدوءاً وتفاؤلاً".

"ساراباند تانغو" رقصة من زمن الـ"باروك" والتانغو رقص معاصر نسبياً، هو نوع من النقيض، أردنا دمج الأضداد بتحدٍّ، ولاحظنا أن حقبة الباروك تتماشى بشكل سلس مع الإيقاعات الشرقية الناعمة مثل الدف والبندير. "غولفوهوليك" وفيها انطباعات خليجية، "رحلة باتجاه واحد" معالم جاز أكثر، أحياناً الهروب الصاخب من واقع معين. "خيّال الريح" موسيقى نفسُها عربي تركي سلسة، "الحياة تستمر" موسيقى متفائلة، إيجابية طابعها الأساسي كلاسيكي مع روح شرقية دون مقامات. "وليمة في بيسارابيا" تأثير من موسيقى أوروبا الشرقية، كأنها دبكة ولكن ليس على موسيقى عربية إنما موسيقى أخرى".

أخيراً حل الأخوان خليفة ضيفين على حفلة ابرهيم معلوف في مهرجانات البترون، وأمامهما مستقبل مشع وواعد تملؤه المشاريع الفنية الزاخرة. وسيوقّعان أسطوانة "صوبيا" الساعة السابعة مساء السبت 18 آب في "فيرجن" في "أ.ب.ث" فردان.  

Digital solutions by