Digital solutions by

"متاهات الدخول" النرجسية المكتظة بأصوات تناغم الحب والحرب

13 آب 2018 | 14:33

المصدر: "النهار"

الغلاف.

يطالعنا بباكورته "متاهات الدخول" المتشرّبة بقدر الظمأ الوجودي، قسطاً شافياً من معاني الحياة الميتة، اتكاء على جملة من الدوال المبرزة لأقصى مستويات الترميز بشأن الغلو الشعري المتيح لعولمة الوجع الإنساني في هذا الاتجاه والمنحى التجريبي المتمرّد على الأجناسية والملتزم بمنطق أو فلسفة التعبير الفوضوي، شرطاً جوهرياً لبناء النص خارج اللغة والذاكرة والزمن. 

يأبى الشاعر المغربي الواعد سليمان محمد تهراست في تجربة الفرادة والنوعية التي قد تسحب فضيلتها من كثر في مشهد الشعرية العربية إجمالاً، ممّن قد يقفون عند عتبات الحيرة والتردد في مواجهة الزمن الإبداعي المترهّل بطلاسم الأفق وتعميته الحائلة من دون تحديد الموقف الفاضح لأخطاء الراهن، باعتماد صوت قوي وصريح ينأى عن الأقنعة، لينسج ملء النرجسية النازفة، أنْوِيَة القول الشعري الصافي من غير تعثّر تمليه اللثغة أو الفجاجة والتّسطيح.

 هي كثافة مقنّنة لصور حياة الذبول، أو واقع إجبارية معاينة اكتساح لغة الموت لشتى فصولنا وتفاصيلنا الحياتية، بحيث لن تثمر ـــ سيكولوجياً ــــ غير مشاعر الانكسار والمرارة ومسّ النقائص والنوبات التشاؤمية، لكن... في غياب أنا القصيدة أو الأنوية الشاعرة القادرة على قلب الموازين، وتنشيط روح الانتصار وإذكائها وبعث الأمل بحياة جديدة للتجاوز وخلخلة السائد صوب استقطابات ترجيحية تبحث في مكمن الاختلالات، ويُستجلب بها التوازن الذاتي والوجودي.

إن التمكن من تقنيات التمرير السلس للجوانب الرّسالية الكامنة في دوائر ما يعطي انطباعاً أنه خمولا ذاتياً يحدّده أيما فعل إبداعي، من عدمه، يقبع رهن منسوب تدبير طاقة تحديد الصف أو السرب الأحقّ بمغامرة الاصطفافية لمصلحته والانحياز إليه، وضرورة تحديد الاتجاه الباني للخطاب برمّته.

والحقيقة أن مبدع اليوم على نحو شمولي يتخطى جنس الشعر إلى ما سواه من أشكال فنية وتعبيرية أخرى، لم يعد ملزماً بالحياد، وعليه أن يختار ما بين إملاءات العقل أوالقلب، أو بالأحرى يحدد وبوضوح ملامح الموجة المتوجّب عليه ركوبها: انشغالات الحرب الدوارة بتوحّش ومغولية رحاها، أو الحب كأبجدية وجودية مراوحة بين محطات اليقظة والتنويم في أدغال الكائن المطحون بوهم الإيديولوجية.

وقلة هم من أفلحوا إلى حد ما، في شعرية التمركز ما بين هذين الخيارين، فغدوا شعراء للحب والحرب على حدّ سواء.

يكفي أن نبحر في بعض من برزخية هذه الأسطر المقتبسة من تجربة شاعر من هذه الطينة، كي نتحسس معنى أن تعاني الذات وتنشطر إبداعياً، ناقشة مثل هذا العنفوان النرجسي في انتصاب مخملي هامس على ضفّتي تضادّ، وجبهتي تنافر، فترشق، جوارح التلقّي، انتهاء، بجمالية توليفة ناهضة على مسْرحة معركة تجاذب الأضداد، مفضية إلى طقوسيات أقرب إلى الكمال في رعايته اليقظة للتدويرات البلاغية والاستعارية المدهشة، يدشّنها على عجل، تناغم فصول الحب والحرب.

لنقرأ التشظيات التالية:  

[ فِي اللّيلِ اخْتَلَطَ المَوتُ بِالحَيَاة فِي المَمَرَاتْ

أَنَا وَهِي المهَمَشَانِ

الوَحِيدَانِ نَعْقِدُ أَحْلَافًا ضِدَّ جَوِاسِيسِ الغَدْ

وَضِدَّ دُخَانِ الحَرَائِق وَالصدَاقَةِ

الزّائِفَهْ

لَا تَسْتَسْلِمُ لِلْوَجَعْ

لَا أَسْتَسْلِمُ لِلدَّمعْ

نَسْهَرُ مَعًا حَالِمَيْنِ تَحْتَ ضَوْءٍ شَارِدْ

هي بِالسَّنَدْ

وَأَنَا بِالقَصِيدَه ْ ].

................................

[ يَا صَغِيرَتِي أَنَا كُتلَة مَرْمَرِية فِي

عَرَاء مَجهُولْ

نَبِيّ مَسْبِي وَآخَرِي أَعشَاب دَمْ

فَكَيفَ أُفرِغُكِ مِني؟].

..........................

[ الآن

أنا الوحيدُ المُنهزِم

أُعلٍنُ تقَهْقُر الهزِيمة مِن عُيونِي الحزِينهْ

أُعلٍنُ انكِسَار صَوتِي الأيديولوجي

أُعلٍنُ أنّ العالمَ العربي بِعَمُود فقري مَشلُولْ

وأنّ ضَبَابَ مَرتِيلْ

مَا عَدَا بحاجَة لافْترَاشِ نُهُودِ

النّسَاءِ الجَرِيئهْ].

...........................

[ هَارِب مِن مَفازَة التّيهِ

الكلُ يَدعِي أنّنِي أَكلتُ ذَاكرتِي أَيامَ المَجاعَةِ

الكلُ يَجزمُ أنّي مَجنُون بالسوَادِ أدَاوِي المَألُوف

الكلُ يعتقدُ أنّي شَاعِر أحَاولُ أَنْ أُصالِح الأَشيَاء بِذاكِرةٍ مَفقُودَة

نعمْ، فالجنونُ أنْ تفكرَ عكسَ الآخرين].

..............................

[لماذا تحبّين شاعرا مفلسا

مثلي؟

لا يملك سعر قهوة لموعد

ولا يحسن تنسيق الألوان على

جسد

أجابت بعينين مغمضتين:

أنا لا أحبّك ، بل

أخبّئك للعمر

وللأبد.].

.............................

[قلت: وما يدريك بقمر بارد ؟

وفجر في صندوق مغلق

قال: ببطء كما انطفاء الغيم في بركه

تنفس الله

قلت: دعك مني فاسمي يزاحمني

بين أزقة العمر

ومسافات اﻷبدية

وحزني يتنكر في زي قوس قزح

قال: طيب، فقد تنفث ابتسامة الشعر غدا بروح عطر

قلت: وقد تلوث السماء سماءنا من جديد].

................

[ كل مساء تدهن قلبها بالحنينْ

وتقول : أنا جمع مُكسر

أنا قلاع الخوف المصلوبهْ

خريطة جسدي ثقوب من رغبهْ

إلى متى أحمل نشوتي القاتلهْ؟

يا سماء..

أنا جمرة كلما جاء الليل اشتعلتُ من جديد].

........................

[ يلزمني كي أوقف الحرب

حرفان

أو ساق امرأة في أوج زينتهْ

يلزمني شاعران

الأول يسقط راء الحرب

والثاني يغنّي للموتى حتى (...)

يقتله الغناء].

نصوص تتزمّل بعذرية البياض واشية بكل شيء تقريباً، تطعن بلذة المناوبة على راهن اختلاط أوراق الحب والحرب، مباهية بنرجسية الذات المثقلة بوفرة المواقف الارتجاجية كنتاج لغزارة الاصطدام أيضاً، بأوبئة مجتمعية متنوعة ونافخة في خريفية المشهد المنكفئ على جحيمية المعاناة.

يناور هذا الانشطار بتجلياته على نحو أدعى للتملّي والاستبيان، في الومضة الأخيرة، بحيث يقذف بالمتلقّي في أقصى تلافيف المتاهة التي أرادها ويريد بلورة معانيها شاعرنا، تلكم المتاهة الوجودية التي هي في أقرب صورها مجرّد حياة فارغة محتفية بالعطالة، تتقاذفها تيارات الحرب والحرب، فهي لا تستقر على حال، تغرس في الذات الإبداعية أكثر من صوت للتنافر، للخرق الدلالي اللافت، وتضغط بفيض النرجسية الحالمة القادرة على صناعة أو فبركة مناخ التوأمة ما بين عناصر التضاد، وتثوير خريطة الجود بإستطيقية الصورة الحياتية العامة في الختام.

ومن ثمّ هذا التحوّل من وإلى كينونة القصيدة كمواز للحياة التي نود محوها وتجاوزها رمزياً إلى أعتى نقاط الخلاص.

أو أنا القصيدة من خلال ما يشبه ترميم الذات تبعاً لانفلاتات هذيانية، تغمز بخيوطها انسيابية وعفوية التجربة، وبما العملية تجديف ذهني بامتياز، ومقامرة مجنونة مخوّلة لإفراغ ذاتي من العدمية والحياة الذابل والآخر في المرايا العاكسة للفشل والانهزامية الذاتية.

إننا بمعية الشاعر سليمان محمد تهراست، نستنشق نفحات الحياة الإبداعية الموازية أو البديل، حدّ التوحد مع ذات كهذه في عوالم تيهها الوجودي، كأنما تحاول إخراج القصيدة من عنق الزجاجة، وقفاً على خوارزمية مدغدغة بمفارقات الشرود الروحي المحمول على رزمة خسارات مثلما توقعها حياة فعلية متّهمة ومدانة كليا، قربان إقبارها في الذاكرة والنص وتاريخ الأخطاء، هو موت مشتهى يعادل ولادة محو ثانية.

هذا حين تغدو النرجسية مطية إلى أفق مصالحة الذات والغيرية والعالم، بذاكرة مفقودة تماماً، متوهّمة ومزعومة.

وحين تتبرجّ آسرة بتراخي عناقيدها، القصيدة الماكرة ، مختزلة أسرار متاهة الانتصار على الحياة الجانية المجني عليها في آن.

وحين تقاس القصيدة بمنسوب جنونها الهادر والمفتي بخيار التفكير خلافاً لمنطق الذات المجلودة والغيرية المتواطئة مع شؤم الراهن.

شاعر وناقد مغربي


Digital solutions by