Digital solutions by

مَن يهزم جذور الزيتون؟

9 آب 2018 | 17:41

المصدر: "النهار"

مَن يهزم جذور الزيتون؟ (لوحة للفنان صالح القرا).

منذ أسابيع شاهدت فيلماً وثائقياً يعرض الانتهاكات التي يتعرض لها سكان احدى القرى شمال الضفة الغربية في #فلسطين ويوضّح مدى أثر بناء جدار الفصل العنصري ويعرّج في كثير من مشاهده إلى المقاومة الشعبية السلمية لسكان القرية. في أحد مشاهده كان الفيلم التسجيلي يوثّق شهادة سكان القرية ومدى ارتباطهم بالأرض وبأشجار الزيتون والبرتقال التي ورثوها عن أجدادهم وكيف قاموا بزيادة أعداد الأشجار المثمرة على مساحات أكبر من أراضيهم، أن رصد الفيلم في مشهد آخر قوات الاحتلال وهي تقتلع أشجار تاريخهم المثمر لتبسط بجرافاتها مساحات جديدة لمستوطناتها، وبينما كانت تتنقل الكاميرا بين بكاء نساء القرية ودهشة رجالها كانت مجموعة من الأطفال يهتفون ويشيرون بحماس بالغ إلىى أنهم وجدوا ضالتهم التي انشغلوا بها خلال بكاء أمهاتهم وسط حصار الأشجار الممدة بثمارها كركام ثقيل وجنود الاحتلال المدججين ببنادقهم، وآبائهم الذين يحاولون لملمة إرثهم ورثاء ماضيهم المسجى بعواطفهم ليُدفن حياً حاملاً ثماره، أما الأطفال فكانوا فرحين يهتفون بأنهم وجدوا جذور شجرة زيتون ضاربة في الأرض. وكما ترك الأطفال الدمار ولحقوا الحياة في جذور الزيتون تركتُ أنفاس الحضور المشدوهة ثملة بالوجع معلقة على مشهد الدمار ذاته، ولحقت قدرة أولئك الأطفال على اصطياد الأمل من عمق الظلام.  

تستهويني تلك العبر والمشاهد وتثقلني بالهواجس والأفكار فأغادرها محملة بمعانيها، ذلك أننا نتكئ على الفزع كلما رشقتنا التجربة بنارها فهو حجتنا الواهية، ويرمينا في نهايات حالكة نعانق الخوف ونستجدي الانتظار بعد أن نحكم اغلاق فسحات متناثرة في جدران أحزاننا كانت لتسمح بتسرب بعض الأمل، ليس بإمكان الأمل أن يعرّف عن نفسه وكأنه يخط وجوده على لوح كبير أنه مازال موجوداً وعليكم فقط أن تبحثوا عنه، بعضنا خُلق ليقاوم، ليبحث عن مرادفات للحياة في كل عثراته، ليعيش بطولته المطلقة ويمارس إيمانه العميق، إيمانه بنفسه، بذاتٍ جسورةٍ، وحده يعرف قوتها، يبحث عن مراده المختلط بالرماد. أولئك بمقدورهم أن يصنعوا أسطورة بقائهم حين تلهو الحياة بهم بقسوةٍ لا يجرؤون على توقعها في اختبار جديد لوجودهم.

يتبنى المتفائلون نظرية الكأس الممتلئ ويتهمون المتشائمين بأنهم لا يروون سوى النصف الفارغ من الكأس، لم يحدث أن اختبرت نفسي في كأس الماء فقد سمعت في صغري عن النظرية الكاملة مع شقيّها فرأيت الكأس بنصفيه الممتلئ والفراغ، لكني أحاول تمرّس الإصرار كلما تعثرت فلا شيئ غيره يعفر أنف الهزيمة لتبتعد بظلها عني؛ الإصرار ممارسة إيمانك بذاتك ليس أكثر.

معظمكم سمع قصة المزارع الذي باع مزرعته ليرحل الى دولة أخرى ويمارس مهنته في أرض أخرى حين ذاع صيت بأنّ البلاد التي سيرحل اليها أراضيها خصبة للغاية ويجني منها المزارعين ما لا يجنيه في بلاده، لكنه تفاجئ حين اتضّح أنّ أرضه الجديدة مليئة بالأفاعي وغير صالحة للزراعة، فلم يرَ ذلك المزارع نص كأس ممتلئاً لأنه كان مشغولاً بكأس تطفو منها الكنوز فعرف كيف يناور فحيح الأفاعي ويحوّل سمومها الى أمصال ولقاحات طبيعية فحوّل محصول أرضه إلى تجارة تجاوزت أفق أحلامه.

من منكم باستطاعته أنْ يلمح كنزاً مختبئاً وراء سم أفعى؟ الهزيمة ليست في مواجهة العقبات بل في مواجهتنا لأنفسنا.

هناك من باستطاعته أن يرى قطرة ماء منسية في قاع كأس بدا للجميع فارغاً.

أما من أحد باستطاعته أن يهزم جذور الزيتون حين يبحث عنها طفل يرى الحياة في جذر صغير؟

ما من أحد!

Digital solutions by