Digital solutions by

شهداء الجيش في الذاكرة... "تيتّمت بكير والعذراء لن تيتّم بناتي"

1 آب 2018 | 15:05

المصدر: "النهار"

الشهيد ابراهيم سلوم يلاعب ابنته.

قبل أن يحسم #جيشنا أي معركة، تكون ملامح النصر واضحة، نصر تصنعه دماء الشهداء وتضحيات الجرحى. من الضنية إلى البارد فحرب تموز وعبرا وعرسال مسيرة طويلة لمعارك صمد فيها الجيش بوجه الرياح المعادية إن كانت داخلية أم خارجية. ورفاق الدرب من عائلات #الشهداء، يستذكرون اليوم لحظات ومحطات مميزة من عمر أبطال ضحّوا بأنفسهم لكي يبقى الوطن. زوجة، أخ وأخت صبرهم كصبر أيوب، نعود وإياهم بالذاكرة سنوات إلى الوراء لنتعرف إلى جوانب إنسانية في حياة عسكريين لم نعرفهم يوماً خارج البذة وساحة المعركة، ولنوجّه تحية إلى أرحام حملت أمثال المقدم الشهيد ابراهيم سلوم والشهيد ابراهيم مغيط والرقيب الأول الشهيد طوني يوسف الحزوري.

الزوج والأب

في 27 تموز 2007 ارتقى المقدم ابرهيم سلوم شهيداً، في معارك نهر البارد التي خاضها الجيش بوجه حركة "فتح الإسلام" على مدى ثلاثة أشهر ونصف الشهر. "بوب" كما تفضّل زوجته باسكال أن تناديه، عاش في بلدته عين إبل حتى عمر الـ18 عاماً، انتقل بعدها إلى سن الفيل حيث يقطن أخوه الأكبر. وفي الحيّ نفسه تعرّف إلى باسكال التي تروي لـ"النهار" حادثة طريفة تعود إلى بداية تعارفهما، حيث "كان يمر "بوب" بسيارته وعيناه على شرفة منزلنا، ومن دون انتباه ترتطم سيارته وبشكل يومي بإحدى السيارات المركونة، إلى حد لاحظت والدتي وأقاربي كيف تتركز نظراته عليّ خلال مروري في الحي". تتنهد باسكال وتكمل: "كنت أسال نفسي إلى متى سيراقبني من بعيد، من دون أي تعبير صريح".

عن عمر 40 عاماً فارق ابرهيم سلوم عائلته المكونة من ثلاثة أولاد، ريان (8 سنوات) ورشا (5 سنوات) وكريست جنيناً في رحم والدته. وغالباً ما كان يردد "بوب" على مسمع زوجته "قنعتك بالتالت بس أكيد في ولد رابع". فالشهيد كان يرغب بعائلة كبيرة، ومضي جُلّ وقته باللهو مع طفلتيه.

وفي كل مرة كان يعود إلى المنزل يختبئ لتبدأ الطفلتان ريان ورشا بالبحث عنه، "الولاد خط أحمر" تقول باسكال. يسرد لهم القصص قبل النوم ويترك لهم علامات استفهام كثيرة في إشارة إلى أن القصة لم تنتهِ، فينتظرونه في اليوم التالي لإكمالها.

اختبرت باسكال شعور اليتم مع والدها الذي استشهد في انفجار في سن الفيل، فكرة الاستشهاد لم تكن غريبة عليها، إلا أنها استبعدتها تماماً مع "بوب". ومع بداية معارك نهر البارد كانت تردد على مسمعه "أنا تيتّمت بكير، والسيدة العذراء لن تيتّم بناتي". اليوم وبعد 11 عاماً على استشهاد زوجها، وفي عيد الجيش تحديداً، توجه باسكال نداءً إلى الطبقة السياسية "اهتموا بعائلات الشهداء، التفتوا إليهم وخصوصاً عائلات العسكريين من الطبقات الفقيرة ممن يعيشون في ضيقة لا يُحسدون عليها"، لافتة إلى أن المقدم الشهيد كان يعامل عسكرييه بإنسانية فائقة ويعتبرهم كأولاده.

رفيق الطفولة والشباب 

من نهر البارد إلى عرسال الجرح واحد، والعدو واحد "الإرهاب". وكما في كل ساحة من ساحات التضحية بذل عسكريون أرواحهم في سبيل تطهير الوطن من عدو تربّص به شرّاً. ابرهيم مغيط واحد من هؤلاء الأبطال، الذي عاد إلى بلدته القلمون في 8 أيلول 2017 شهيداً مرفوعاً على الأكتاف. شقيقه نظام والذي لم يتعب على مدى سنوات ثلاث من الاعتصامات ومطالبة الدولة بكشف مصير أخيه ابرهيم المخطوف مع عدد من رفاقه على يد تنظيم "داعش"، يستذكره بكثير من الفخر واللوعة في الآن عينه.

"هو رفيق الطفولة والشباب، هو الأخ والصديق، وبغيابه لم يعد لأي شيء معنى". كان الشقيقان يترافقان في رحلات صيد السمك، فهي الهواية المفضلة لابرهيم، وعلى متن قارب والدهما أبحرا أكثر من مرة على أمل العودة بما تيسر من أسماكٍ وثمار بحرية، شكّلت الطبق المفضّل للشهيد. عمراهما المتقاربان سمحا لهما باختبار مراحل العمر المختلفة سوياً، ومن عمر الطفولة كانا يترافقان إلى حديقة تحيط بمنزلهما في القلمون لينصبا خيمة ويمضيا الليلة داخلها يحتسيان الشاي. وفي مرحلة الشباب استعاضا عن تلك الخيمة القريبة بالسهر في إحدى مغاور البلدة مع عدد من الأصدقاء.

يتوقف نظام قليلاً عن الكلام، وفي صوته غصة تضيع معها الكلمات. غصة أخٍ فقد رفيق درب يستند إليه في الشدائد. فكان كل منهما سنداً للآخر يقول نظام، ومع غياب ابرهيم "راح كل شي". ومن أخ شهيدٍ إلى رئيس الجمهورية ميشال عون رسالة: "لا خير في وطنٍ لا يأخذ حق شهدائه. وأنت يا فخامة الرئيس قطعت عهداً بأن دماء شهداء الجيش لن تذهب هدراً، وحتى الساعة لم نبلّغ بنتيجة التحقيق. وماذا تريدنا أن نقول لأولاد الشهيد؟ هل نخبرهم أن دولتهم تخاذلت عن محاسبة المتورّطين بسفك دماء من دافعوا عن أرضهم؟". 

شهيد يوم ميلاده 

الإرهابيون ازدادوا إجرامًا بحق #الجيش_اللبناني في عبرا، وكعادتهم أبناء المؤسسة العسكرية تصدّوا لرياح الفتنة التي هبت عام 2013 في مدينة صيدا. ومن بين هؤلاء الرقيب الأول طوني يوسف الحزوري. عن 29 عاماً وفي يوم ميلاده استشهد ابن عكار في عاصمة الجنوب، صيدا. ولعل القدر استجاب لرغبة لطالما عبّر عنها: "اذا الله بحبني بموت شهيد". عبارة كان يردّدها على مسامع عائلته، كما تؤكد أخته ميرنا في حديث لـ"النهار". ميرنا تمنّت أكثر من مرة على أخيها ألا يلتحق بالمؤسسة العسكرية، فكان يقابلها بإصرار غريب نابع من حب لتلك المؤسسة والوطن، تملّك قلبه منذ الصغر.

طوني، هو "الأخ الحنون الذي حمل هموم الجميع، وهو الأب الذي ترك غيابه فراغاً كبيراً". هكذا، وببضع كلمات تشعرنا ميرنا بحجم الدور الذي أدّاه طوني في حياة أسرته. هو الشاب الرياضي والذي يهوى تربية الطيور، والد لطفلة تتذكره جيداً رغم صغر سنها، فيوم ودعت والدها للمرة الأخيرة كانت في السنة الثالثة من عمرها.

وكحال أهالي شهداء الجيش في عرسال تخاف ميرنا أن تذهب دماء شهداء عبرا هدراً، فتتوجه إلى الرئيس عون والى قائد الجيش العماد جوزف عون مطالبة "بتنفيذ حكم الإعدام في أقرب وقت بحق كل من شارك في قتل العسكريين في أي معركة كانت". يرتفع صوت ميرنا وتزداد حدة الكلام بمقدار لوعة الجرح: "لبنان صامد بفضل دماء الشهداء، ودماؤهم لم تكُن ولن تكون مباحة". 

الأول من آب، مناسبة ليست عادية تمـرّ في ذاكـرة اللبنانيين، بقدر ما هي تحـية وفاء للجيش الوطني وتضحياته التي حوّلت العيد إلى رمزٍ يتوحد حوله اللبنانيون المشتتون بين مذاهبهم ومناطقهم وانتماءاتهم السياسية. وللمؤسسة التي تعالت على الجراح ورياح الطائفية وصمدت، للمؤسسة التي لم تبخل بتقديم الشهداء والأسرى والجرحى، للمؤسسة التي جمعت من حولها اللبنانيين، ألفُ تحية لها ولكل جريح وروح شهيد سقط على درب خلاص الوطن.

Digital solutions by