Digital solutions by

عينٌ على الضواحي... "أوزفيل" ماذا فعلتِ بنا؟

27 تموز 2018 | 19:25

المصدر: "النهار"

أوزفيل (الصورة لمروان عساف).

بالألوان والاعتماد على الذات عادت بعض أحياء الأوزاعي الى خارطة الحياة، بعد أن عاشت ولعقود طويلة على الهامش. تجربة "الأوزفيل" أثبتت وما زالت بعد مضي قرابة السنتين على اطلاقها، أن "الاتكال على الذات لا على الدولة" في بلدٍ كلبنان قد يكون مفتاحاً لتغيير صورة نمطية طُبِعت بها إحدى أكبر العشوائيات الواقعة في ضواحي العاصمة بيروت. عشوائيات تزعج طبقة معينة تنظر اليها بدونية تتمنى اختفاءها بحجة تجميل الواجهة البحرية لبيروت. ولأن المناطق أكبر بكثير من مظهر خارجي، تركت تجربة "الأوزفيل" أثرها الجليّ على السكان هناك. دخلت  تفكيرهم، بدّلت شيئاً من نظرتهم الى الأحياء التي لطالما سكنوها مرغمين لضيق حالهم. هنا بات لأحلام الأطفال مساحتها.

وانت تتجول في الأزقة، يتأهل بك الجميع، فهم أصبحوا معتادين الوفود السياحية والتقارير الصحافية والوجوه الغريبة التي لم تكن تطأ المنطقة سابقاً لغير سبب. الايجابية تطبع كلام أهالي المنطقة "تغيرت حياتنا رأساً على عقب"، تقول سيدة مسنة تجلس أمام باب دارها. تقترب ابنتها لتؤكد انها تدعو رفاقها الى زياتها في منزلها، أمر لم تفعله في السابق. هنا فتحت نوافذ البيوت على الحياة، فليس اسم المنطقة وحده الذي تغيّر، التغير الأهم كان على المستوى النفسي للسكان. أحد شباب المنطقة يخبرنا انه كان بصدد بيع منزله والانتقال الى منطقة أخرى، وبعد "الأوزفيل" عدل عن فكرته، لا شك أن النظافة التي حلت بدل أكياس النفايات التي لطالما تراكمت على جانب أحد الأرصفة والألوان الزاهية التي غطت المباني الرمادية سابقاً لها أثرها، إلا أن "الشرعية" التي اضفاها المشروع كانت العامل الأساس. فبعد ان كانت المنطقة توصم بالخطرة والمنبوذة اجتماعياً والمنسية من حسابات الدولة، أصبحت محجّة لوفود أجنبية، من صحافيين ولبنانيين من خارج حدود الضاحية الجنوبية. جميعهم تخطوا حاجز الخوف والفروقات الاجتماعية والحسابات المناطقية. الأمر انعكس إيجاباً على السكان، وبابتسامة تعلو الوجوه يرحبون بالزائر، يدعونه الى فنجان قهوة يرتشفه وهم يرددون على مسمعه حكاية "الأوزفيل" وكيف بدّلت في يومياتهم.

في جولتك هنا يرافقك أطفال الحي بشكل عفوي، فهم بدورهم اعتادوا ارشاد الزائرين. يقول أحدهم "عملنا على تنظيف الأحياء وتلوينها، ونرغب في أن تنتقل هذه الظاهرة الى مناطق أخرى في لبنان". هل زاد حبك للمنطقة؟ فيجيب "بالطبع، ولم أعد أرغب في الابتعاد عن هنا". صديقه علي ابن السبع سنوات يتدخل قائلاً: "لو ادّخر كل فرد في منطقة معينة مبلغاً بسيطاً سيغيّر الأهالي وجه أحيائهم كما حصل هنا". أخر متحمس لفكرة المشاركة في حملة تنظيف وتلوين مناطق جديدة من لبنان. بالقرب طفلة تنظر الينا من بعيد اسألها عن شعورها تجاه منزلها الذي امتلأت جدرانه برسومات فرحة فتجيب "أحبه وسنعتني برسوماتنا ونعيد ترميمها". تبتسم وتشير الى زاوية في الحي لتخبرني أنها كانت مليئة بأكياس النفايات وبأن التجربة علمتهم المحافظة على النظافة. اكبرهم سناً يبلغ من العمر 14 عاماً يصر على ان "العطاء لا حدود له ولا ينتظر مقابلاً، عطاء الوطن والارض ومحاولات التحسين في مستوى الحياة ونمطها"، يتوجه الى الشباب اللبناني طارحا عليهم عرضاً "يستطيع الواحد منكم ان يخرج للسهر مرة في الاسبوع بدل مرتين، في سبيل توفير المال لأعمال تسهم في النهوض بمكان سكنه او قريته او مدينته، وهكذا نعمم التجربة ونحسن وطننا وتصبح "اوزفيل" نموذج بدأ في الاوزاعي وامتد على مساحة الوطن".

 الاطفال هنا اختبروا معنى المشاركة، فهم ساهموا في تلوين الجدران وتحويل فوضى البنايات الى مهرجان من الرسومات. قبل سنتين اطلق الفنان عياد ناصر مبادرته، والتي كما يؤكد لـ"النهار" أنها لن تنحصر في الاوزاعي، فطرابلس والجية ومناطق أخرى هي على خارطة عياد التغييرية، وشعاره الأبرز "الاتكال على النفس لا على الدولة، وحب الوطن وتجميله قبل تجميل مظاهرنا الخارجية... نحن نتنقل بين مكبات النفايات التي عمّت طرقات الوطن".

 يُحسَبُ لعياد ولأهالي الأحياء نجاح التجربة التي استهدفت البشر قبل الحجر. بشرٌ خرجوا من انتمائهم المناطقي والطائفي والحزبي ربما والتفتوا الى تحسين أحيائهم ومنازلهم وحياتهم والنهوض بمنطقتهم التي حكمت عليهم الظروف العيش فيها ولو بطريقة غير شرعية، نهضوا من انتظارهم القاتل الذي لم يفضِ طيلة عقود طويلة إلى لفت نظر الدولة إليهم، نهضوا لإثبات جدارتهم في حياة أفضل.

أراد عياد ان يمحو الانطباع السلبي ويضفي الإيجابية على السكان. أهداف تتلاءم مع "الولادة الجديدة" للمنطقة. ويعيد ناصر رغبته الى تشابه بين طفولته التي عاشها من دون والدين (تخلّيا عنه)، وبين الاوزاعي المتروكة من قبل الدولة اللبنانية. فقرر أن يحضنها على طريقته.

 نكمل طريقنا لنصل الى محاذاة الشاطئ. يرافقنا أحد السكان، رجل خمسيني ولد وكبر وتزوج في الأوزاعي، يشير بيده الى الجدران قائلاً: "بين فترة وأخرى نعيد تلوين الرسومات التي تبهُت ألوانها. فنحن مصرون وبعد مرور سنتين على عدم الرجوع الى الوراء، رافضين حالة البؤس والنكران والإهمال والعيش على هامش المدينة والحياة". وكأن كلام هذا الرجل دليل اضافي على تغيير جذري في نفوس البشر هنا، وخير مثال على أن التجربة لم تكن عابرة بل تحولت إلى ثقافة حياة.

 بين زقاق وآخر، تنقلنا. وعند رسم وآخر توقفنا واستمعنا الى حكايات تختزل الكثير من المشاعر والطموح والفرح والارادة أولاً وأخيراً بغدٍ يتمناه أهل المنطقة بأن يكون أفضل. لن يبخل عليك أحد بابتسامته. والأطفال لن يتركوك تضجر. أما أصحاب المحال فسيدعونك للجلوس وأخذ قسطٍ من الراحة. المارة من الأحياء الاخرى يطرحون سؤالاً واحداً على عياد "هل ستشمل مبادرتك أحياءنا؟".

رغبة جارفة بأن تمتد فرشاة الألوان إلى خارج أحياء "أوزفيل"، أن تغيّر وجه الحياة هناك في أحياء مجاورة متأهبة لاستقبالها، بعد ان يئست من زيارة رسمية من إحدى الوزارات للوقوف على أحوال الحياة هناك.

ارادة الحياة لدى الأهالي هنا ومبادراتهم الفردية لا تعفي بطبيعة الحال الدولة من مسؤولياتها تجاههم. مسؤوليات تبدأ من توفير أبسط مقومات الحياة اليومية من كهرباء وماء ولا تنتهي عند منع تحويل مجاري الصرف الصحي نحو شاطئهم الملوث ومصدر رزق صيادي المنطقة.

Digital solutions by