Digital solutions by

المكتبة المسكونة في رأس بيروت!

23 تموز 2018 | 15:26

المصدر: "النهار"

المكتبة المسكونة.

ها هو طيف دوستويفسكي (اسمح لنا "أخ فيودور" أن نلغي الألقاب الرسميّة بيننا) يَعوم وسط الكُتب والمجلات التي "دَرزها" الغُبار بحضوره "التاريخيّ"، ونقل إليها كل الذكريات التي جمّعها في قلبه. 

 إذ يبدو أنّ للغُبار قلباً تراكَمت فيه بعض صفحات مُمزّقة من دفتر الأيام.

 "الأخ فيودور"، أو طيفه (دعونا لا "نُحارب" التفاصيل أو نقف مطولاً عندها)، "يتبختر" وسط الكُتب والمجلات المُنتشرة في كل زاوية، أرضاً، على الرفوف، وعلى المكتب الكبير الذي يجلس خلفه عُمر أو أوسكار كما يُحب أن يدعو نفسه، ساعات طويلة يوميّاً، مُنتظراً " شي اقتحاميّ" ما زالت الكُتب، برائحتها "المُعتّقة"، تُنعش روحه المُتعبة و"تُهدهد" رقصتها القديمة الطراز.

دوستويفسكي الذي يُقال أنه كَتب روائعه لتسديد ديونه المُتراكِمة "بفضل" إدمان القمار، يتربّص في مكان ما في هذه المكتبة القديمة القائمة في رأس بيروت. أنا مُتأكدة من أنني لمحتُ طيفه خلال دردشتي الصباحيّة مع صاحب "Book Bazar"، عُمر ("حاف" ومن دون تحديد اسم العائلة)، أو إذا أردنا أن نكسر رسميّات اللقاء الأول، أوسكار.

صاحب هذه المكتبة التي يصعب التنقّل فيها لما تحتويه من مجلات وكتب قديمة (بعضها جديد)، يُريد أن أدعوه اوسكار.

فليكن.

وها نحن نحتسي "الإسبريسو" بهدوء وقد وجدتُ فُسحة "ما بتنذكر" لأجلس فيها و"أمزمز" قهوتي الصباحيّة.

ودوستويفسكي "يحور ويدور" وسط مئات (آلاف؟) الأعمال التي جمّعها أوسكار عبر السنين، مزوّداً بشغف يُجاور الجنون.

أنا مُتأكدة من أنني لمحت طيفه.

وكانت "مقبعة" معه قليلاً، "منكوت من هالشوبات".

بعض المجلات الـ vintage مُغلّفة بالنايلون.

والصحف القديمة تُعيد للماضي رونقه.

وللماضي رونقه، أليس كذلك؟

الجُدران "مقشرة".

جاي كاي رولينغ (كاتبة هاري بوتر) تجلس بهدوء إلى جانب أمين معلوف.

وصوفي كينسيللا "تتساير" و"موسيو" كويللو.

في هذه الزاوية يجلس كتاب Santa Claus In Baghdad "هوّي وسهيان".

(يُقال أن الكُتب أحياناً تعيش لحظات انخطاف عابرة!).

وفي الواجهة الأماميّة، يغويك كتاب "الحُب عن بُعد" (غالباً ما يكون الحُب أكثر رونقاً عن بُعد، أليس كذلك؟).

أمّا برنار شو الساخر الرائع، فهو "معجوق" بجائزة "نوبل" التي زيّنت حياته المهنيّة، وكما يبدو لي من حيث أجلس، ها هو يحمل جائزة الأوسكار التي فاز بها، ويلهو، "ما حدن عارف ليش".

هذه الصورة الكبيرة لمُسنّ وقور يُعيد صوغ ما ترمز إليه الأناقة، تضيف السحر لهذه الزاوية.

"أوسكار" لا يعرف هويته.

أعجبته الصورة فاشتراها من "سوق الأحد".

وها هو فان غوغ يطل من لوحة مُعلّقة على الجدار العلوي الذي "يحضن" العليّة.

الّلوحة مُهدّدة بالسقوط.

لكن "أوسكار لا يُصلح وضعيّتها المُلتوية.

مجلات الرسوم الهزليّة تنتظر القارئ النَهم ليغوص بين دفّتيها.

ودوستويفسكي يتشاجر مع صورة للرئيس كينيدي، هاتفاً: "شو؟ قال كنت مهووس بجيمس بوند يا جون؟".

كان أوسكار يدفع أحياناً ما يُقارب الـ15 مليون ليرة لشراء الكُتُب. ولكنه لن يقول لي من أين كان يأتي بها. يتغاضى عن سؤالي بواقعيّة، مُتمتماً بين رشفة وأخرى من القهوة: C’est Le Secret Du Metier (هذا سرّ المهنة).

وهي مهنة يعيشها شغفه منذ العام 2001. عشق القراءة تفتّح وردة مجروحة إبتداءً من العام 1995، عندما كان لا يزال يعمل في مجال الهندسة.

مع الوقت أصبحت مسألة مُلحّة، وصارت للشغف قصّة مُتشعّبة، عبثيّة تماماً كقصص الحُب الكبيرة (وقُصص الحُب لا تستحق اسمها إلا إذا كانت كبيرة أليس كذلك؟).

اليوم، يتعامَل بانضباط مع شغفه.

لا يسمح له بأن يُهيمن على كيانه.

فَهم في مُنتصف الطريق بأن لا بدّ له من أن يُنمّي الشقّ العمليّ ويكظم نزوات شغفه!

ابتداءً من العام 1995، غاص في أروقة كُتب التاريخ والفلسفة والسياسة.

وفي العام 2001، هَجر الهندسة بقوانينها الصارمة ووضوحها المُملّ.

وفتح مكتبة الـBook Bazar.

اليوم، زوّار المكتبة قلّة.

تلامذة المدارس هجروا المكان منذ اقتحمت التكنولوجيا حياتهم الفتيّة.

"الدوّيمة" يطلبون الروايات.

الرواية، كما يشرح أوسكار، لم تفقد رونقها. وقلّة الذين انتقلوا إلى قرائتها عبر الإنترنت والأجهزة المتخصصة في القراءة.

أرخص كتاب يُكلّف 250 ليرة!

والأغلى 200 دولار.

انتهت الجلسة الصباحيّة. لكن فنجان "الإسبريسو" ما زال مُمتلئاً.

سآخذه معي إلى الجريدة.

"أوسكار، هل من زبون مفضّل لديك؟". يُجيب بسرعة: "مع الوقت لم يعد لدي زبون مُفضّل".

"طيب، أوسكار، ما هي الزاوية الأحب إلى قلبك؟". يُجيب بهدوء: "ما في ولا زاوية عاجبتني".

لا بأس.

نهارك سعيد أوسكار.

وأنت عزيزي دوستويفسكي، ما بالك تُحدّق بشغف بصورة فيروز الصبيّة بشعرها المضفر؟

Hanadi.dairi@annahar.com.lb


Digital solutions by