Digital solutions by

زيارة للعم محمود... هل يقف طمع الاستثمار العقاري خلف مجزرة الكلاب في طرابلس؟

9 تموز 2018 | 21:34

المصدر: "النهار"

في دولة غرقت مؤسساتها في متاهات الحروب المتتالية، فلم يعد لها لا حول ولاطول، لا عجب أن تنضم إلى أزماته المتعددة أزمة جديدة، يمكن وصفها بـ"أزمة الكلاب"، هي أزمة كلاب محمود حمد اليوسف المقيم في قطعة أرض خلف بناء الجامعة العربية قبالة ساحل رأس الصخر في طرابلس.

وفد من الضنية للسكن في هذه النقطة منذ سنة ١٩٤٨، يوم لم يكن أحد يفكر بالاقتراب منها نظراً لوعورتها. قام باستصلاح الأرض البالغة اربعين ألف متر مربع، بالاتفاق مع صاحبها، وأعطت انتاجا جيداً، وبعد ذلك باع صاحب العقار الأرض، وحاول الشراة إخراجه من الأرض، ودخل في خلاف معهم على الأرض والبقاء فيها والخروج منها، بحسب ما روى قصته لـ”النهار” من أول الطريق. 

مائة كلب

من الطبيعي أن يربي شخص كمحمود، في أرض واسعة، معزولة ووعرة، بعض الكلاب، فربى منها، كما قال، "١٥ كلباً، ما لبثت أن أصبحت ثلاثين، وتكاثرت حتى بلغت المائة"، ويفيد محمود أن أرضاً واسعة كأرضه، تحتاج لهذا الكم من الكلاب لحراستها".

ويؤمن محمود الطعام للكلاب من فضلات العظام وأرجل الدجاج وفضلات مشابهة من الباعة واللحامين، "لأطعمها، كما اتابع وضعها الصحي بالطبابة والدواء، وكل ما يحتاجه الكلب للبقاء سليما”.

ويؤكد محمود أن كلابه لا تخرج من مزرعته إلا إلى محيطها، ولا تصل إلى الشاطىء حيث رواد المشي، ومارة، وعابرو سبيل. ويقول: “عندما كانت شرطة البلدية تعثر على كلب متشرد، ولا تريد تسميمه، تأتي به إلي فأبقيه مع كلابي، وأربيه بينها".

 وتحدث عن عملية تسميم الكلاب الجماعية بعد أن كان يتلقى تهديدات، وإلقاء مفرقعات وصفها بالقنابل الصوتية، وإطلاق رصاص عليه، ذاكراً أنه "عندما هاجمهم كلب من كلابي للدفاع عني، هاجموه وقتلوه”. 

  ويطلق محمود كلابه ليلاً لأن "الابقاء عليها مربوطة له نتائج سيئة"، وتحدث عن عملية التسميم التي تعرضت لها كلابه: "أتركها تخرج إلى الشارع الخلفي للمزرعة، فتتجول هناك، وعندما عثرت على أكياس فضلات لحوم، أكلت منها، فنفق العديد، وجاء من يخبرني بذلك وكانت الساعة الثالثة صباحاً، والدفعة الأولى ثلاثة كلاب نافقة، وخلال تجوالنا في المحلة، عثرنا على كلاب أخرى، وعلى فضلات لحوم، وكنا نتفاجأ بالمزيد نافقاً، وصولاً إلى أربعين كلب. وبقي حياً زهاء أربعين كلباً، منها ١٨ أصيب بتسمم جزئي، ولم ينفق، والبقية لم يصبها أي أذى”. 

انحياز؟

ويتحدث محمود عن انحياز بعض الجهات الرسمية لصالح آخرين "منزعجين من وجودي هنا"، مشيراً بذلك إلى "الخلاف بينه وبين تجار العقارات الذين ابتاعوا القسم الأكبر من الأرض”. وقال أن أحداً لا يساعده على تربية الكلاب إلا بعض شبيبة يهتمون بالكلاب ويجمعون لها التبرعات لإطعامعها ومتابعة أمورها، أما البلدية فلا تهتم، واتصل بي أحد منهم مكتفيا بالسؤال عن تطورات الحدث".

  الكلاب يستخدمها محمود للحراسة فقط، كما يقول، ويضيف: "إذا احتاج أحد ما لكلب ليقتنيه ويهتم به في بيته، فإني أقدمه له مجانا، دون مقابل". 

 ويتابع محمود أنه تقدم بشكوى وآثر أن يركز التهمة على مجهول. ويفيد ان القضية وصلت إلى المحقق، فـ"طلبني، وجمعني مع الجماعة الذين أختلف معهم على الأرض، واتهمتهم بالوقوف وراء التهديدات، والاعتداءات”. 

تهديدات

زينب رزوق، واحدة من عدة أشخاص يهتمون بمحمود وتعنى بكلابه، تابعوا قصصه، ومشاكله مع الآخرين، أفادت أنها ورفاقها لاحظوا تهديدات، وكلاماً غير مألوف على وسائل التواصل الاجتماعي، وقاموا بتسجيلها، وتنزيلها، والحفاظ عليها، ذاكرة أنه "صبيحة اليوم الذي وقعت فيه حادثة تسميم الكلاب، لاحظنا أن كل البوستات، والتعليقات قد أزيلت، لكن بعد فوات الأوان حيث كنا قد احتفظنا بكل التهديدات والتعليقات والتسجيلات الصوتية مع أسماء اصحابها، وسلمناها إلى الجهات المختصة بالتحقيق".

 وتلخص الموقف بقولها: "القصة كبيرة، تبدأ بتجارة الأراضي، وهي أملاك عامة وأملاك خاصة، وهناك أملاك عامة يسرقها تجار الأراضي بطريقة غير شرعية في ظل غض النظر من قبل الدولة على ممارساتهم. ثانياً، العم محمود رجل متقدم في العمر يبلغ نحو الاثنين والثمانين عاماً، والدولة لا تقدم له أي ضمانات في شيخوخته، والثالثة، قضية الكلاب التي تعتبر من مسؤوليات المرجعيات الرسمية أن تؤمن للكلاب ملاجىء". 

  واتهمت رزوق "تجار الأراضي، والمزارع المحيطة بمزرعة محمود، وحراس المزارع المجاورة بارتكاب المجزرة بحق الكلاب". 

  وتحدثت المتطوعة سوزانا ابراهيم التي تساعد محمود مع رفاقها بتربية الكلاب، والحفاظ عليها، لأنني "أحبّ الحيوانات، وكنت أنوي التخصص بالطب البيطري، غير أن فكرة التشريح في التخصص جعلتني أتردد، واتحول إلى الفنون الغرافيكية. لكني وجدت في العم محمود مجالاً أحقق فيه هوايتي بحب الحيوانات، والحفاظ عليها، و"عندما علمنا أن البلدية كانت تكافح الكلاب بالسم أو القتل، ألفنا مجموعة تهتم بالأمر، وتواصلنا مع جمعية "اباف" التي تعنى بالحيوانات، ومنها تعرفنا بالعم محمود، وصرنا نساعده في حماية الكلاب". 



 وربطت بين مجزرة الكلاب ومشكلة العقارات، واصفة أن القضية معروفة، كما أن "العم محمود يساعد ولا يقبل مساعدة، وكل عمره عنده كلاب، ومن يجد كلبا متشردا، يأتي به إليه للاعتناء به". 

بلدية الميناء

من جهة بلدية الميناء التي تقع في نطاقها مزرعة محمود اليوسف، فقد أوضحت في بيان أنها ارسلت سابقا كتابين إلى محافظ الشمال بخصوص الكلاب الشاردة، واحد في الأول من شباط، والثاني في حزيران، بعد تكاثر شكوى المواطنين من بعض الكلاب المفترسة، حيث قام المحافظ بتحويل الكتابين إلى الجهات المختصة، لاتخاذ التدابير التي تحمي المواطنين، وتحمي الكلاب من القتل العشوائي، وإيجاد سبل سليمة للمعالجة الفورية للموضوع”.



  واستنكرت البلدية ما حصل من قتل متعمد لعدد من الكلاب، وطالبت الأجهزة الأمنية اتخاذ الاجراءات لمعرفة الفاعلين، واضعة أجهزتها بتصرف الجهات المعنية، وفق بيانها. 

Digital solutions by