Digital solutions by

سقف تنازلات كوريا الشماليّة... بضعة رؤوس نوويّة ومطعم وجبات سريعة؟

9 تموز 2018 | 16:33

المصدر: "النهار"

الرئيس الأميركي دونالد ترامب والزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون خلال لقاء القمّة في سنغافورة - "أ ف ب"

من يستمع إلى التوصيفات التي أطلقتها وكالة الأنباء الرسميّة الكوريّة الشماليّة على المطالب التي حملها معه وزير الخارجيّة الأميركيّة مايك #بومبيو الأسبوع الماضي إلى #بيونغ_يانغ، يدرك أنّ الآمال التي عُقدت على #قمّة_سنغافورة بدأت تتقلّص تدريجيّاً. من جهة اخرى، تستمرّ التقارير الاستخباريّة وصور الأقمار الاصطناعيّة في تأكيد ما كان مراقبون يحذّرون منه: #كوريا_الشماليّة غير مستعدّة للتخلّي عن أسلحتها النوويّة، أو في أشدّ الأحوال تفاؤلاً، غير مستعجلة إلى ذلك. 

أثارت وثيقة سنغافورة تشكيكاً واسعاً بعدما جاءت دون التوقّعات، وأسقطت عبارات طالبت بها الإدارة الأميركيّة نفسها في السابق، قبل أن يطالب بها معارضوها في الداخل. حتى بالنسبة إلى طريق الاستعدادات لتلك القمّة، لم تقدّم كوريا الشماليّة الكثير من المبادرات العمليّة التي تجسّد حقيقة نياتها. فباستثناء تدمير موقع بونجي-ري أمام صحافيّين، لا أمام مراقبين دوليّين، الموقع المشكوك أصلاً في قدرته العملانيّة، ولم تعطِ بيونغ يانغ دليلاً مادّيّاً على استعدادها لتفكيك أسلحتها النوويّة، مثل تدمير أو تسليم عدد محدود من الرؤوس النوويّة، قبل القمّة.

مطالب واشنطن "جشعة"

بعد يومين على اللقاء التاريخيّ، أعلن بومبيو أنّ كيم فهم ضرورة التخلّي عن أسلحته "سريعاً". لكن مع ذلك، ومن دون تحديد تواريخ لا لبس فيها، يبقى كلامه غامضاً. فالسرعة أمر نسبيّ، وقد تعمل كوريا الشماليّة على استغلال هذا التعبير المطّاطيّ للمماطلة.

أمّا يوم الجمعة الماضي، وخلال زيارته كوريا الشماليّة لاستكمال المفاوضات مع الكوريّين في شأن إيجاد آليّة لتفكيك الترسانة النوويّة، قال بومبيو إنّه تمّ "تحقيق تقدّم في كلّ الملفّات تقريباً". لكنّ بيونغ يانغ وصفت مطالبة الولايات المتّحدة بنزع أحادي الجانب للأسلحة، بأنّها "مزعجة للغاية" و"جشعة". وأشارت وكالة الأنباء الكوريّة الى أنّ "العزم الثابت" لبيونغ يانغ على التخلّي عن برنامجها النوويّ قد "يتعثّر" بسبب ذلك.

لماذا يوسّع الكوريّون معهد المواد الكيميائيّة؟

وفقا لتقرير لاري غرينماير في مجلّة "ساينتيفيك أميركان" العلميّة الخميس الماضي، حصلت شركة "بلانيت لابس" على صور لأقمار اصطناعيّة، نشرها مركز "نورث 38" المتخصّص بالشؤون الكوريّة الشماليّة، وتفيد بأنّ بيونغ يانغ تستكمل توسيعاً كبيراً لـ"معهد المواد الكيميائيّة" في هامهونغ، ثاني أكبر المدن في كوريا الشماليّة. وينتج هذا الموقع مواد كاربونية مركّبة لصناعة الصواريخ الباليستيّة التي يمكن بعضها حمل أسلحة نوويّة، وفقا لدايفد شميرلر، وهو باحث مشارك في "مركز جايمس مارتن لعدم الانتشار".

وأضاف أنّ هامهونغ هي المكان الذي "يتم فيه تصنيع الوقود الصلب لصواريخهم أيضاً، وعلى الأرجح حيث يصنعون الوقود السائل أيضاً. إنّ توسيع المنشأة مهم، لأنّه يعني أنّهم سيستمرّون في برنامجهم الصاروخيّ". ووفقا لباتريك كرونين من مركز الأمن الأميركيّ الجديد، يصعب جدّاً رصد تهديد الصواريخ الباليستيّة التي تعمل على الوقود الصلب.

تقرير آخر لوكالة الدفاع الاستخباريّة

من جهته، علّق الباحث البارز في معهد "كايتو" دوغ باندو، في مؤسّسة الرأي الأميركيّة "ذا ناشونال إنترست"، على ما ذكرته صحيفة "ذا واشنطن بوست" أنّ مسؤولين في وكالة الاستخبارات الدفاعية وجدوا أنّ كوريا الشماليّة لا تنوي التخلّي عن جميع أسلحتها النوويّة. وتعتقد الوكالة أنّ لدى بيونغ يانغ منشأة سرّيّة لتخصيب الاورانيوم. في المقابل، يخفّض مسؤولون في كوريا الشماليّة أعداد أسلحتهم النووية التي تقدّر وكالات استخباريّة أميركيّة عددها بخمسة وستّين.

ويرى باندو أنّ بيونغ يانغ قد تتخلّى مثلاً عن 20 منها، وتدّعي أنّها تنازلت عن كامل ترسانتها، بينما ترحّب واشنطن والأمم المتّحدة بهذا الإنجاز في وقت يكون الكوريّون احتفظوا بخمسة وأربعين سلاحاً، وأضافوا إليها سرّاً أعداداً أخرى. وقد يحصل كلّ ذلك وبيونغ يانغ تستفيد من المنافع الاقتصاديّة، بينما لن يرغب أحد في الاعتراف بأنّ إحدى أهمّ مبادرات ترامب قد فشلت، حتى لو كانت تقارير وكالات الاستخبارات تشير إلى عكس ذلك.

إنّ سرعة التطورات في النصف الأوّل من هذه السنة كادت تنسي العالم أنّه شهد في السابق قمماً تاريخيّة حول ملفّ الأسلحة النوويّة لكوريا الشماليّة باءت بالفشل. ولعلّ قمّتي #سنغافورة و #بانمونجوم والمشاهد الاحتفاليّة التي رافقتهما ضخّت مزيداً من مشاعر التفاؤل لدى بعض المراقبين. لكن في الوقت نفسه، عنت تلك المشاهد أنّ كيم ماهر في خطف الأضواء الإعلاميّة مع زعماء عالميّين، ممّا يرفع احتمالات أن يكون الزعيم الكوريّ هدف فعلاً إلى شراء الوقت والشرعيّة من خلال اجتماعه برئيس الدولة العظمى في العالم.

"سي آي أي" ... أيضاً وأيضاً

لم يكن تقرير وكالة الاستخبارات الدفاعيّة الأوّل من نوعه. قبل أقلّ من شهر على قمّة سنغافورة، أعلن ثلاثة مسؤولين لشبكة "أن بي سي" الأميركيّة عدم وجود نيّة لدى الكوريّين في هذا الموضوع: "يعلم الجميع أنّهم لن يتخلّوا عن أسلحتهم النوويّة"، وفقا لمسؤول استخباريّ علّق على تقرير لوكالة الاستخبارات المركزيّة أواسط أيّار. وجاء في تقرير "سي آي أي" أنّ كوريا الشماليّة لن تفكّك أسلحتها، لكنّها في المقابل قد تمنح امتيازاً لإنشاء مطعم لوجبات الهمبرغر في بيونغ يانغ، وفقاً لما نقلته الشبكة عن المسؤولين الثلاثة في 30 أيّار. وبحسب "أن بي سي"، قد يكون ذلك معبّراً عن بادرة حسن نيّة من كيم تجاه ترامب الذي تحدّث خلال حملته الانتخابيّة عن التفاوض مع الزعيم الكوريّ حول المسألة النوويّة وهما يتناولان وجبة بيرغر.

تزداد الأدلّة يوميّاً – كمّاً ونوعاً – إزاء نيّة كوريّة عدم التخلّي الكامل عن الترسانة النوويّة. نظريّاً، يصعب على نظام بيونغ يانغ أن يعمد إلى التخلّي عمّا رآه كضمانة له طوال عقود، لمجرّد أنّه نال في المقابل ضمانات أميركيّة، قد تتغيّر مع تغيّر الإدارات الأميركيّة كلّ أربع أو ثماني سنوات، حدّاً أقصى.


Digital solutions by