Digital solutions by

طرابلس الحديثة... كنزٌ من الأبنية التراثية الكاملة

8 تموز 2018 | 13:08

المصدر: "النهار"

منذ أن بدأت مدينة طرابلس تخرج من بوتقتها القديمة المعروفة بالمدينة المملوكية، إلى حيزها الجديد في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، بدأ ظهور الأبنية التراثية انطلاقا من ساحة التل، التي كانت مجرد كثبان من الرمل في حينه، وشهدت أول مبنى خارج أسوار المدينة القديمة وهو السراي العثماني الذي شيد حوالي سنة ١٨٧٧ ميلادية.

 


كانت ساحة التل رملية جرداء، وتحوط المدينة بساتين الليمون في كل اتجاه وامتدادا حتى الميناء، حيث مرفأ المدينة.    

 


شجع بناء السراي في تلك النقطة على تشييد أبنية أخرى كان من أولاها قصر قيصر نوفل، فمسرح الانجا، فأوتيل كونتيننتال، وتكر سبحة الأبنية لتشكل المدينة الجديدة بكافة الاتجاهات، ولتؤسس للأحياء الحديثة فيها.

 

اعتمد في الأبنية الحديثة البناء الذي جمع الهندسة المعمارية العربية في الداخل، بينما تمت مزاوجة الطابع المحلي بالطابع الاوروبي، الفرنسي والإيطالي تحديدا، في الخارج. ذلك أن قصر نوفل وضع هندسته مهندس إيطالي، فكان قدوة للأبنية المتبقية لتعتمد على الطابع الغربي في تشكيل المنازل والأبنية، واستمر هذا الطابع من الأبنية معتمدا في طرابلس حتى منتصف القرن عندما بدأت تعتمد الهندسات الأكثر حداثة، والأقل زركشة وتزيينا من الخارج.

 

وبذلك، غلب على طابع أبنية المدينة الجديدة الطابع التراثي الجميل، ذو الواجهات المزركشة، المطعمة بمشربيات الخشب، وبأشكال من النصوب والأعمدة المصبوبة من الجفصين والترابة البيضاء.    

 

وانطلاقاً من ساحة التل، راحت الابنية تنتشر في كل اتجاه. غربا باتجاه طريق الميناء، وشمالا نحو الزاهرية، وبينهما الى شارع عزمي، اول الشوارع الطرابلسية المستقيمة، جنوبا نحو ساحة الكورة، وشرقا بين ساحة النجمة وشارع الراهبات.

 


ساحة التل احتلت صدارة الاحداث والتطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية منذ مطلع القرن، وحتى بداية الاحداث اللبنانية، حيث بدأ التراجع يطاول المدينة على مختلف الصعد، وكانت الأبنية التراثية من أهم ما طاوله الاهمال، فتآكلت واجهاتها بطبقات من الغبائر والأوساخ، وبدأت تفقد مجدها الغابر، وحاول عدد من أصحابها هدمها، أو استبدالها بأبنية حديثة تدر ربحا أعلى، لكن كثيرين من الحريصين على الطابع التراثي للمدينة تصدوا للمحاولة، ومنعوا إزالة الأبنية، وأمكن استصدار مرسوم صنف مجموعة منها بالتراثية، مانعاً تغيير شكلها الخارجي، وتشكل حاجز يمنع المساس بالأبنية الباقية، لكن دون حماية رسمية لها.

 

في ساحة التل، نشأ سوق المدينة الحديث، وبنيت الابنية الجميلة. برز برج الساعة العثماني مطلع القرن، ثم السراي الذي أزيل أواخر الستينات، فقصر نوفل، ثم مسرح زهرة الفيحاء (الانجا) الذي هدم مؤخرا في الفوضى التي عاشتها المدينة، وسلسلة من البيوت الجميلة ذات الخرجات، والديكورات النادرة، ونما فيها تطور اقتصادي وسياحي هام، فتنوعت، وتخصصت وكبرت محلاتها التجارية، وشكلت المقاهي الحديثة آنذاك تجمعات للرجال، وانشئت فنادق متعددة ساهمت في تسهيل وفود الزوار، والسياح الى طرابلس، والمكوث فيها، من الخارج، ومن الارياف المجاورة، وتركزت فيها مواقف السيارات، وعيادات الاطباء.

 

التنظيمات التي اعتمدت في تلك الآونة، حددت ارتفاعات الابنية ب15 متراً حداً اقصى، والتراجع عن الطرق حفاظا على سهولة العبور، وكذلك اتساع الطرق، وتصنيفها بين عرض 11،25 متر، و4،5 متر.

 

أبنية مميزة

 

كان لبعض الأبينة أهمية خاصة، فالمعمرون يذكرون، مثلا، ان مقهى فهيم كان قبلا البنك العثماني، وفي سنة 1935، حول آل الحكيم طبقاته العليا الى اوتيل حمل اسمهم. وكان واصف عز الدين يملك المبنى بداية، وهو الذي بنى والده مصطفى الشارع الحامل لاسمه شارع عز الدين، الفرعي، الموازي لشارع التل الرئيسي.

 

"يقابل اوتيل الحكيم اوتيل الحلبي الذي جرى ترميمه في السنوات القليلة الماضية، كما ان هناك مبنى يحمل اسم مؤسس شارع يزبك، اي اديب يزبك من اميون، وقد اسسه سنة 1930، اضافة الى اوتيل "الكونتيننتال" لأحد آل كبارة، وقد شيد اوائل القرن، ويشكل اثرا مهما في الشكل والعمر. اما مقهى التل العالي، فهو للأوقاف الاسلامية، ويوجد مبنى موروث من حمد البابا لشاكر وحبيب الملك، اما بناية سلطان فهي الابرز، وهي ورثة لآل سلطان (سمير وعبد الغني وفيصل) وقد منع التغيير في الخارج من واجهتها، والزم اصحابها بالحفاظ على طابعها القديم الجميل.

 

جرت مساع حثيثة لتصنيف هذه الابنية من ضمن "خطة احياء مدينة طرابلس الاثرية"، منها قصر نوفل، بنك سوريا ولبنان، بناية سلطان، بيت عويضة، المقهى البرازيلي، مبنى البنك العثماني (حيث مقهى فهيم)، مبنى القلموني (مسرح الانجا) ورغم تصنيفه دمر وأزيل بالكامل)، المبنى المحتوي على محلات باشا، والمبنى المحتوي على محلات رفعت الحلاب، والكنيسة المعمدانية، وأبنية أخرى بموجب قرار صدر بتاريخ 8\5\1996.

 

تعتبر أبحاث "مركز الدراسات العليا للترميم في الجامعة اللبنانية" أن منطقة التل منطقة انتقالية (zone tampon) بين المدينة القديمة والحديثة، وظهرت فيها مجموعة من الابنية هي نماذج لفن معماري اختلط فيها الشكل الهندسي الوافد من الخارج خصوصا الايطالي، مع الزخرفات والاشكال المحلية التي ادخلت تغييرا على طابعها".

 

وفي اقتراحات لكيفية التعامل العلمي مع هذه الأبنية، ارتأت الأبحاث الحفاظ على واجهاتها، اما ما في داخلها، فيترك للمالك ليتصرف فيه كما يناسبه ضمن اطار الانظمة المرعية على غرار ما جرى عند تخطيط باريس، حيث بنيت الأبنية المواجهة للساحات بواجهات مختلفة عما تخبئه بداخلها”.

 

وأوضحت الدراسات أن جل هذه الابنية تتألف من ثلاث طبقات، واذا سمحت القوانين بزيادة الطبقات، فيجب ان يحافظ على الخطوط العريضة بطريقة متناسقة، حرصا على التشكيل الجمالي للمبنى. اما اذا كان المبنى محدداً، ومحصوراً بصيغة ديكور معينة، فلا يجب ان تزاد على واجهاته اية طبقة، ويقتصر بأن يسمح بزيادة الطبقات الداخلية، لان كل طبقة من القديم يبلغ ارتفاعها زهاء خمسة امتار، ويمكن ان يحصل المالك على خمس او ست طبقات من الداخل في مبنى من ثلاث طبقات، مع الحفاظ على الواجهة كما هي دون تعديل، واذا اعيد ترميمها، فالمطلوب ان يتم ذلك بألوان ومواد اصلية لا تضفي على المبنى ما ليس له علاقة بماضيه، ولا بتراثه.

Digital solutions by