Digital solutions by

لا معايير سليمة في توجيه طلاب لبنان وبعض الكليات "مستودعات"

2 تموز 2018 | 00:20

للاستقرار المهني تأثير كبير في الاستقرار النفسي للفرد، إذ يساهم في إشباع حاجاته النفسية والمادية. لذا، فالاختيار الصحيح للاختصاص الجامعي، وتالياً للمهنة، يضمن للفرد الهدوء النفسي، وتلقائياً الإنتاج والنجاح. الاختيار يضع الطلاب في حيرة من أمرهم مع اقتراب إنهاء مرحلة الدراسة الثانوية، وحيرتهم هنا محقة، فالأمر يتخطى ضرورة معرفة حاجات السوق والاختصاصات المتوافرة، إلى معرفة واكتشاف التلميذ لقدراته وإمكاناته بالاستعانة باختبارات تقارن بين قدرته ورغبته والفرص المتاحة أمامه. لذا يتساءل التلميذ عن التخصص. هل يحصل على التوجيه اللازم؟ ما الذي يتناسب مع ميوله وقدراته؟ وهل سيحقق أحلامه وطموحاته التي خطط لها؟ وكم من تلميذ مقبل على الحياة الجامعية لا يعلم كيف أو من أين يبدأ! 

 تجزم أستاذة العلوم السياسية في الجامعة اليسوعية الدكتورة فاديا كيوان، أن "مشكلة كبيرة على صعيد التوجيه الجامعي يعيشها طلاب لبنان تنعكس على خياراتهم التي لا تتوافق في أحيان كثيرة مع قدراتهم العلمية وميولهم وتظهر جلياً في نسب الرسوب لكونهم لا يحصلون على التوجيه اللازم". وفي حديثها لـ "النهار" تقول: "الجامعات عموماً هي مؤسسات تبحث عن طلاب ولن ترفض تسجيل أي طالب يختار مطلق اختصاص حتى ولو كان لا يتناسب مع مؤهلاته العلمية، فتتحول كليات عدة الى مستودعات للطلاب ما عدا الكليات العلمية التي تحتاج الى امتحانات دخول".

 

المسؤولية والحل؟

 أطراف عدة يشتركون في المسؤولية وعليهم التعاون لإيجاد حل يضمن مستقبلاً علمياً ومهنياً أفضل للطلاب. تبدأ كيوان من المحطة الأولى في مسار التوجيه وهي المدارس التي عليها أن "توجه الطلاب بدءاً من المرحلة المتوسطة على ان لا تلغي خيار التعليم المهني أمامهم وان يأخذ حقه بدون احكام مسبقة عليه كما هو سائد في لبنان". إلا ان الخطير هو ما يحصل خلف جدران بعض المدارس "الكبرى" فبحسب كيوان "خلال العام الدراسي الاخير للطالب في المدارس الكبرى، يطلب مدير مكتب الارشاد من الطلاب تعبئة استمارات وطلبات للسفر والتخصص في الخارج ويلاحق هذه المسألة مع حرص شديد على ان يقدم كافة الطلاب طلبات سفر. هذه المدارس تشجع طلاباً على السفر للتخصص والهجرة النهائية ايضاً".

   مشكلة التوجيه العلمي، مجتمعية غير مرتبطة بجامعة هنا او مدرسة هناك برأي كيوان، فهي يجب أن تتم من خلال آلية وطنية ترسمها السلطات المعنية بالتعاون مع البيئة التربوية من مدارس وجامعات خاصة ورسمية، آلية تشترط إشراك متخصصين في العلوم التربوية وفي الاقتصاد وعلم النفس ينظمون محاضرات على الطلاب وذويهم المشاركة فيها.

 أما في الجامعات وخلال العام الدراسي الأول تقترح كيوان تطبيق نظام الارشاد، بمعنى أن تكون من مسؤولية كل استاذ متفرغ في الجامعة متابعة وتوجيه عدد من الطلاب، متابعة حثيثة يستطيع بعدها تقديم النصائح لهم وربما يعيدون النظر في خياراتهم قبل فوات الأوان. إلى جانب اعتماد نظام تعليمي جامعي يُتاح من خلاله للطالب في السنة الأولى من الاختصاص التعرف بصورة عامة إلى كافة مواد الاختصاص ليختبر قدراته وانسجامه معها وهكذا تتوضح أمامه الامور وعندها يقرر الطالب إما الاستمرار وإما التحول الى اختصاص آخر. تتأسف كيوان لكون "المعنيين في لبنان لا يفكرون في شكل مستقل ومرتبط  بمعانات البلد وسوق العمل وتحدياته وخصائصه بل غالباً ما يسعون الى تقليد الغرب بعيداً من اي اعتبار لخصوصية بلدنا".

تضخم اختصاصات وتقهقر أخرى

 يوافق الخبير التربوي الدكتور علي خليفة على أن طلابنا لا يرشدون نحو خيارات مهنية تتوافق مع حاجات سوق العمل والمجتمع. ويلفت في حديث إلى "النهار" الى ان "الغالبية تتجه نوح الاختصاصات العلمية او الاختصاصات النفعية المربحة على حساب الاختصاصات التي تندرج في خانة الانسانيات على خلفية نظرة دونية تبناها المجتمع للانسانيات، علماً ان مواد الانسانيات ذاخرة بالقيم والمبادىء الاخلاقية. هذا الامر يعني أن أهمية القيم في مجتمعنا تتراجع وتضعف في منظومة الاخلاق لكون طلابنا – بناة المستقبل – يهتمون بالنفعية اكثر من الاخلاق، في ظل تفاقم مستوى العنف والجريمة في بلادنا وعم حاجتنا إلى المزيد من الخريجين في كليات كالهندسة والطب وغيرها من الاختصاصات التي شهدت تضخماً كبيراً". في المحصلة، وبرأي خليفة، "لبنان لا يخرج طلاب يحتاجهم بل طلاب سيهاجرون للعمل في الخارج".

 أما في الأسباب فيردها خليفة إلى كون "الجامعات الخاصة بمعظمها، ما عدا قلة قليلة، تضع الربحية في سلم أولوياتها فتعتمد سياسة تسويقية ترتكز على الاستقطاب وليس على حاجات سوق العمل، مما يضر بمصلحة الطالب، وتحديداً الجامعات التي يمتلكها رجال الأعمال فهي مؤسسات بدون خلفية علمية على عكس جامعات الغرب التي جلّها تؤسسها جهات علمية ومؤسسات عريقة في هذا المجال".

  وعلى مستوى التوجيه، وكما اكدت كيوان ويؤكد غالبية الخبراء التربويين ومنهم خليفة، أن ميول المتعلم تُلتقط في سنوات الدراسة المبكرة شرط ان يكون ثمة نظام تعليمي مرن وهذا ما نفتقده في لبنان. اهتمامات الطلاب بحسب خليفة يجب ان يواكبها نظام التعليم عبر فتح مروحة واسعة من الخيارات على ان لا يغيب او يستبعد الخيار المهني كما هو حاصل لكون لبنان ينقصه كثير من الحرفيين والتقنيين.


Digital solutions by