Digital solutions by

جامعات لبنان... التقويم والجودة ومواجهة الخلل الأكاديمي

2 تموز 2018 | 00:00

  ارتفع عدد الجامعات والمعاهد في لبنان تباعاً ليصل الى أكثر من 60. نعرف أن مجلس الوزراء الذي يصرف الأعمال والحكومة السابقة يمنح رخصاً لجامعات ومعاهد وكليات وتخصصات، بعد طرح ملفاتها من مجلس التعليم العالي عبر وزارة التربية والتعليم العالي. بعض هذه الجامعات والمعاهد لا يتوافق مع الشروط التي وضعتها اللجنة الفنية، والتي لم يؤخذ بتقاريرها، لكنها انضمت بقرارات الترخيص الى مؤسسات التعليم العالي المتعددة في لبنان، وبدأت تستعد لفتح فروع لها قبل أن تنطلق رسمياً من مجمع واحد. 

كثر يسألون عن عدد الجامعات في لبنان، وعما اذا كان البلد يحتاج فعلاً الى مؤسسات تعليم عال جديدة وبتخصصات متوافرة، ويعرفون أن جامعات عريقة في لبنان لا تزال تستقطب طلاباً من جنسيات مختلفة، وشهاداتها وتخصصاتها مدعومة بأنظمة اعتماد ممنوحة عالمياً وتصنيف جيد، وهناك جامعات استطاعت خلال مدة وجيزة أن تفرض نفسها في التخصصات وباتت تستقطب عدداً كبيراً من الطلاب نظراً لمستوى شهاداتها وتعليمها. لكن بعض الجامعات بات يستسهل التعامل مع الطلاب بهدف استقطابهم، خصوصاً غير المقبولين منهم في تخصصات معينة في الشهادات العليا.

تمنح بعض هذه الجامعات في لبنان، شهادة الماستر في تخصصات عدة. يدخل الطالب الى إحدى الجامعات أو المعاهد الجامعية، ليحصل على الشهادة العليا تعويضاً، مما يعني التفافاً على التحصيل العلمي الضروري المؤهل لنيل الشهادة. وربما يكون نظام التعليم في الجامعة التي وافقت على انتسابه، جيداً، لكن استسهال القبول ومنح الشهادة يطيح بجودة تعليمها لمجرد انها استقطبته للتسجيل فيها بشروط سهلة، وهنا يكمن الخطر الحقيقي على التعليم العالي.

الشهادة يحوزها البعض بالانتقال من جامعة الى أخرى. فلا يعود التعليم مرتكزاً على البحث العلمي أو الاجتماعي أو الإنساني. هي مجرد شهادة من جامعة مرخصة، تمنح اللقب لصاحبها، بلا تعب ولا تحصيل فعلي. هذا يعني أن زيادة عدد الجامعات والمعاهد ليس دليل تنوع أو تعدد، هو استسهال وضرب للجودة، ويظهر وجود خلل فاضح في النظام الجامعي اللبناني، يهدد التعليم العالي ويشكل خطراً على استمراريته.

لنعترف أن غياب التشريعات التي تتطلّب ضمان الجودة، جعل بعض الجامعات الناشئة ترتكب مخالفات في الشهادات، ومنها الالتفاف على نظام التعليم لاستقطاب الطلاب في اختصاصات عدة، ثم تسجيل الطلاب في اختصاصات غير مرخصة، إلى استيراد شهادات من الخارج تبيعها أو تمنحها بتغطية سياسية. لكن الأخطر أن بعض الجامعات، وليس تلك التي تعتمد الجودة والأخلاقيات في التعليم، يتصرف بمنظور تجاري، وهو ما يضعف أو يهدد النظام الجامعي التاريخي الذي ميّز لبنان في التعليم العالي والاختصاصات والجودة. لا يمكن للجامعة أن تكون مؤسسة للتعليم العالي ما لم تكترث لمسار أكاديمي واضح تعززه وتطوره على قاعدة البحوث والجودة، إلى فتح الآفاق من معايير وتصنيف واعتمادات. والأهم أن تحفّز مؤسسات التعليم العالي على تحديث برامجها وتعزيز بحوثها وتطوير آليات عملها، في إطار التنافس ووفق مسؤولياتها أيضاً. لكن هل جامعات لبنان كلها تتميز بأكاديميتها، وتقارب معايير المستوى العالمي؟

 المعنى من الجامعة، أنها ليست لـ"البيزنس"، وليست أيضاً مدرسة. وظيفتها بالدرجة الأولى البحث العلمي، وهي أيضاً مطلقة الافكار الجديدة المتنورة. هي موقع للتغيير والاستقلالية، ومؤسسات أكاديمية ديموقراطية. فهل نشهد تحولات في مؤسسات التعليم العالي كلها لترتقي نحو تولي دور جديد يطلقها الى الفضاء العلمي الواسع؟ لقد حان وقت التأسيس لمرحلة جديدة يكون فيه التقويم عملية تعيد الاعتبار لمعنى الجامعات ودورها، وتخضع في الوقت نفسه لمعايير لا تتجاوزها، وتخرجها من دائرة التحاصص السياسي والعائلي والطائفي...

ibrahim.haidar@annahar.com.lb

Twitter: @ihaidar62

Digital solutions by