Digital solutions by

"شرقطة" الأمل مع عميد الـ"أورينتالي"... الأب نازار لـ"النهار": إنّها مسألة عدالة

23 حزيران 2018 | 16:18

المصدر: النهار

الاب نازار خلال حديثه الى "النهار" (ساكو بيكاريان).

"شرقطة" تلمع في العينين، كلما تكلّم على الأمل. الأب #دافيد_نازار اليسوعي، عميد #المعهد_المشرقي_البابوي (#الاورينتالي)، يؤمن بصنع الأمل، وينادي به. "يجب مواصلة العمل حيث يوجد أمل، ثمار"، على قوله لـ"النهار" لدى سؤاله عن مستقبل المسيحيين في الشرق الاوسط. مقتنع هو بان الشرارات تنطلق من "امور صغيرة، لنبني عليها". الأمر لا يستوجب، في رأيه، "سوى شخص واحد، او مجموعة واحدة لتحقيق الفرق".

أمثلة عدة خطرت على باله في تلك الساعة، وقدّمها دليلا على كلامه، مع اعجاب خاص برجال ونساء، من ارض الكنائس الشرقية المجروحة، يدرسون حاليا في المعهد الحبري في روما، وهم "ممتلئون بالامل والشغف والالتزام، بحيث ان الاشخاص الروحيين هم الذين يحققون الفرق في نهاية المطاف"، على قوله.  

أمل يعاينه بنفسه، ويخبر عنه. العميد يأمل، يحلم في الثمار، مع ان كلمة واحدة تؤرقه. "اللا عدالة". ترجع من حين الى آخر الى الحديث، لتوقظ أفكارا تتمخض في داخله: "التربية هي افضل وسيلة لارساء عدالة في بلد ما"، و"يتم تحقيق العدالة من خلال الحوار والمصالحة". وللمشككين، تذكير بأن "اي شي يمكن ان يحصل".  

نحو 38 دقيقة مع العميد نازار. وجولة الأفق انتهت برسالة سلام الى مسيحيي لبنان والشرق الاوسط. "يبقى العالم مليئا بالفرص الهائلة. ومن السهل في عالم متغير ومأزوم ان يكون محاطا بالسلبيات. لكن اعتقد ان الروح الانسانية الطيبة، وحتى الروح القدس، الروح المسيحية الطيبة، تعمل. ما الذي يقوم به الله؟ ما الذي يقوله؟ هناك دائما شيء ما ايجابي قد يحصل. ويقتضي بتحولنا الداخلي ان يفتش عما هو جيد. هناك فرص أكثر للأمور الجيدة مما هناك للدمار. لكن علينا ان نفتش عنها".  

حلقة اللا عدالة

مباشرة، إلى الموضوع المهم الذي يشغل العالم. اللاجئون. و"الواضح" للعميد، انها "مسألة عدالة". "انها امر اساسي. من دون مصالحة، لا عدالة، ولا عدالة من دون حوار. واذا لم يبدأ حوار وعدالة، فسنبقى نقول ان هناك لا عدالة، ونقف الى جانب الاشخاص الذين يعانون من جرائها".

اللاجئون الفلسطينيون، على سبيل المثال. يعرف نازار ان "هناك اصواتا كثيرة" تنادي بالعدالة من اجلهم. لكن هناك ايضا "مقاومة كبيرة" (للا عدالة). عندما كان في الولايات المتحدة لاجراء لقاءات حول الشرق الاوسط، "تكلمت على مشكلة نقل السفارة الاميركية من تل ابيب الى القدس وما سيتسبب ذلك للفلسطينيين من امور. قلت للاميركيين انهم يتسببون بمشاكل لانفسهم، وان ما فعلتموه هو الغاء الحوار. اخذتم جانب طرف واحد، ولا يمكن ان تحلّوا المسائل باعتماد هذا السلوك".  

هذا ما قاله لأشخاص "هم اصدقاء للرئيس الاميركي دونالد ترامب"، على ما يضيف. "يحترمونني، لانني كاهن كاثوليكي. لكن بعضهم لا يريد ان يسمع ان هناك لا عدالة، بخلاف آخرين. هناك دعم قوي، وفي الوقت نفسه هناك رد فعل قوي تجاه الامر. اعتقد ان علينا الاستمرار في قول الحقيقة، وان ننادي بالعدالة والمصالحة، حتى تحقيق العدالة... علينا الاستمرار في طلب اجراء حوارات ومحادثات ومواصلة بناء مجتمعات تلاقي، والعمل على تعزيز التربية والخبرات بهذا الخصوص".  

يحضر على الطاولة مستقبل التعايش الاسلامي- المسيحي في مرحلة ما بعد تنظيم "الدولة الاسلامية" (داعش) في الشرق الاوسط. "التحدي"، في رأيه، ان نعدّ قبالة لائحة الأمور المأزومة و"من قتل من وكم مرة"، وحجم ازمة اللاجئين والمهاجرين، لائحة أخرى بـ"الأمور التي تعمل". "في التربية من اجل الشبيبة، على سبيل المثال، لدينا مفتون وائمة مسلمون وآباء يسوعيون يعملون معًا".

تروق للعميد فكرة "تعاون المسلمين والمسيحيين معا في سوريا، في التربية من اجل الشبيبة". "هذا التعاون مهم جدا، لانهم لا يريدون ان تنمو الشبيبة مع شعور بالغضب، لان ذلك يعني تواصل دورة اللا عدالة". وبالتالي يتم "التعامل مع هذا الغضب، وتأمين التربية للشبيبة". ويتدارك: "علينا ان نعمل على (صنع) الأمل".  

الجسر 

صنع الأمل. انه المجال الذي يهتم به ايضا المعهد المشرقي البابوي (الاورينتالي)، على طريقته الخاصة. 101 عام مضت على تأسسيه، واهتمامه الرئيسي "المساعدة في اكتشاف الغنى في الكنائس الشرقية والاطلاع عليه، ونشر ابحاث عنه، لتعريف الغرب اليه، وجعله ايضا في متناول تلك الكنائس نفسها".

في تاريخ المعهد، اكثر من 7 آلاف طالب درسوا فيه، واكثر من 7 آلاف انجزوا الدكتوراه. "الطلاب يأتون من كل الكنائس الشرقية، وبينهم ايضا كاثوليك، وبروتستانت وغير مسيحيين"، وفقا للمعهد. خطوط خريطته تبدأ من روسيا نزولا الى اثيوبيا، ومن جنوب ايطاليا الى الهند، وتشمل كل البلدان الواقعة على الخطين، وصولا الى الشرق الاوسط. في سنة دراسية عادية، يراوح عدد طلابه من 300 الى 400 طالب، اضافة الى "اكثر من 400 باحث. و"لا طلاب لبنانيين فيه" حاليا.  


يحلو لنازار القول ان المعهد بمثابة جسر بين الغرب والشرق. العقبة الأكبر التي يواجهها، في رأيه، "قلة عدد (البحاثة)" بالمقارنة بـ"حجم العمل الذي لدينا". ويقول: "العمل الذي ننجزه غني جدا. هناك الكثير من التقاليد الكنسية الشرقية، والمنطقة الجغرافية التي يغطيها المعهد واسعة جدا... لو كان لدينا اشخاص أكثر لاجراء مزيد من الابحاث والاضاءة على هذه التقاليد، اعتقد ان الامر سيكون مغنيا جدا".  

الرؤية المستقبلية التي يرسمها المعهد له هي أن يصبح "جامعة حديثة بالكامل من اجل خدمة الشرق المسيحي اليوم"، وفقا لما يعلنه على موقعه الالكتروني. اي نوع من الطلاب يسعى الى تكوينه؟ يجيب نازار: "لدينا حاليا عدد أكثر من الطلاب العلمانيين، ذكورا واناثا، ومن مختلف الكنائس الشرقية. وهؤلاء يريدون العودة الى بلدانهم للعمل. انهم ممتلئون بالامل والشغف والالتزام، بحيث ان الاشخاص الروحيين هم الذين يحققون الفرق في نهاية المطاف".

الى أرض هؤلاء "الملتزمين المشغوفين"، جاء نازار هذه المرة. رغم مأساة الكنائس الشرقية التي يهتم بها معهده، يبدي "تفاؤلا" في مستقبلها في المنطقة. "ادرك جيدا كم انخفض عدد المؤمنين في المنطقة... وانه من الصعب ايجاد حوار وطني صادق يقود الى تحقيق العدالة". الا ان أمله كبير في "هؤلاء الذين يدرسون في معهدنا ويعودون الى بلدانهم هنا، وهم يعرفون جيدا مع من يمكن ان يعملوا. يبدأون من امور صغيرة، ليبنوا عليها"، تماما كما حصل مع "المسيحيين الاوائل".

بناء السلام في المنطقة من الامور التي يعمل عليها المعهد. من الامور التي طلبها منه بطاركة واساقفة، خصوصا في سوريا ولبنان، "ان ندرس هذه المسائل". بناء على ذلك، نظم المعهد العام الماضي 8 مؤتمرات عن الاوضاع في الشرق الاوسط، وأحدها عن سوريا، وقد شاركت فيه شخصيات، مسلمة ومسيحية. من المواقف التي علقت في ذهنه، تعبير مسلمين عن "خوفهم من ان يخلو الشرق من المسيحيين. قالوا انه لا يمكن ان يتخيلوا الشرق الاوسط من دون مسيحيين".  

ويتابع العميد التفكير في الاوضاع. صحيح ان اعداد المسيحيين تراجعت في المنطقة، الا ان هذا الامر "لا يقلقني كثيرا"، على قوله. ويستعيد مجددا مثال يسوع المسيح، و"العبرة من التاريخ ان شخصا واحدا او مجموعة واحدة يمكن ان تحقق فرقا كبيرا. انظروا الى الأم تيريزا دي كالكوتا وما حققته في الهند. شخص واحد فقط".

مثال آخر يخطر على البال، هو "محاولة كاهن في بغداد تأسيس مدرسة لتعليم اللاهوت، لان لديه نحو 40 شخصا يريدون تعلمه، ويرغبون في تحقيق تغيير في بلادهم، وان يبقوا فيها. طوّر برنامجا، وقصد المعهد من اجل مساعدته. ارسلوا الينا طلابا، وارسلنا بدورنا اساتذة الى العراق. هذا الامر الجميل الذي حصل كان مؤثرا لنا، اذ رأينا اشخاصا كان يجب ان يفقدوا الامل او يغضبوا بشدة... لكنهم ممتلئون بالامل، ويريدون البقاء في بلادهم وتحقيق الفرق، ويعرفون انهم قادرون على ذلك. هذا الشيء يجعلنا نبكي تأثرا. انه جميل".

درس مهم يستخلصه من كل هذا. "بدلا من ان نتخذ موقفا سلبيا، يجب ان يكون موقفنا ايجابيا".

Hala.homsi@annahar.com.lb


Digital solutions by