Digital solutions by

القمّة المنتظرة... لماذا سنغافورة؟

11 حزيران 2018 | 10:04

المصدر: "النهار"

داخل محطة القطار في سيول "ا ف ب".

ساعات قليلة تفصل العالم عن اللقاء التاريخيّ الذي سيجمع الرئيس الأميركيّ دونالد #ترامب بالزعيم الكوريّ الشماليّ #كيم جونغ أون. وستكون #سنغافورة على موعد مع الحدث عندما سيستضيف منتجع كابيلا الفاخر الواقع في جزيرة سنتوسا القمّة الاستثنائيّة. حين أعلن البيت الأبيض عن قبول الرئيس الأميركيّ دعوة كيم للحوار، طرح المراقبون أفكاراً كثيرة عن المكان الأنسب لهذا اللقاء مثل سويسرا ومنغوليا والسويد والمنطقة المنزوعة السلاح بين الكوريّتين. لكن في نهاية المطاف استقرّ الرأي على اختيار سنغافورة كحاضنة لهذا الحدث المنتظر. 

السياسة والخبرة

كما في كلّ لقاء سياسيّ بارز، يبحث المراقبون بداية عن الدوافع السياسيّة التي تحتّم اختيارات كهذه. وبالفعل أدّى هذا العامل دوره في عمليّة بلورة القرار النهائيّ بحسب ما قاله مسؤول في البيت الأبيض منذ أيّام قليلة. فقد كشف الأخير في حديث إلى شبكة "سي أن بي سي" الأميركيّة أنّ "سنغافورة اختيرت لأنّها كانت تريد أن تحتضن اللقاء ولأنّ لديها علاقات ديبلوماسيّة مع الولايات المتّحدة وكوريا الشماليّة معاً. هي من بين الدول القليلة جدّاً التي تملك علاقات مع كلتا الدولتين. وشرحت الشبكة أنّ سنغافورة خبيرة في استضافة لقاءات هامّة كما حصل سنة 2015 حين قابل الرئيس الصينيّ #شي جينبيغ الرئيس التايواني السابق ما ينغ جيو.

الجغرافيا ... منعاً للإحراج؟

هنالك عوامل أخرى، من بينها أنّ سنغافورة قريبة نسبيّاً من #كوريا_الشماليّة كما أنّها واحدة من أقرب شركاء واشنطن الآسيويّين على المستويين الأمنيّ والتجاريّ إضافة إلى أنّها تشكّل موقعاً "محايداً" بالنسبة للأميركيّن، وذلك بحسب تقرير لشبكة "سي أن أن" أعدّه ويل ريبلي. عن المسافة الجغرافيّة التي تسهّل نسبيّاً سفر كيم، كانت صحيفة "واشنطن بوست" الأميركيّة قد تساءلت منذ شهرين عمّا إذا كان الزعيم الكوري الشمالي يملك معدّات متطوّرة غير الصواريخ البالستيّة، كالطائرات التي تمكّنه من السفر طويلاً فوق المحيط الهادئ أو إلى أوروبّا من دون توقّف.



ونقلت عن سيو مي تيري، محللة استخبارية بارزة في "سي آي أي" حول المسائل الكوريّة خلال إدارة جورج بوش الابن قولها: "كنّا نسرد النكات عن طائراتها السوفياتيّة القديمة". أمّا فيكتور شا، مدير الشؤون الآسيويّة في مجلس الأمن القوميّ خلال عهد بوش فقال إنّ ذلك لم يكن ليشكّل مشكلة عمليّة، لأنّ الكوريّين الجنوبيّين أو السويديّين كانوا سيخدمونه في هذا المجال. وتابع قائلاً: "لكنّ ذلك كان ليشكّل إحراجاً" للزعيم الكوريّ الشماليّ.

مزيّة "أسطوريّة"

تتمتّع سنغافورة بمزايا كثيرة في المجالات الاجتماعيّة والقانونيّة. يذكر توماس ماريسكا في صحيفة "يو أس أي توداي" أنّ هذه الدولة مشهورة بتغريمها من يرمي الأوساخ في الشوارع بآلاف الدولارات كما حظرت استيراد العلكة باستثناء بعض الأنواع الطبّيّة ولا زالت تستخدم الضرب بالعصا كعقوبة للجرائم الصغيرة. والأمن في تلك الدولة "أسطوريّ" بحسب الكاتب الذي يذكر أيضاً أنّ سنغافورة "حصن لحرية الإعلام". وسيُعقد اللقاء في ظلّ قانون جديد أقرّته البلاد الشهر الماضي، يعطي الشرطة صلاحيات استثنائيّة في حال حدوث هجوم إرهابيّ يحظّر الصحافيّين والجمهور من إرسال تقارير بشأنه.



بناء على الأسباب المذكورة مجتمعة، وجدت مجلّة "تايم" الأميركيّة أيضاً أنّ سنغافورة مكان "ممتاز" لعقد قمّة كهذه. لكن على الرغم من واقعيّتها وشموليّتها، لم يكتفِ مراقبون آخرون بهذه المعطيات. حتى أنّ بعضهم استبعد بشكل تام أن يكون اختيار ترامب هذا البلد مبنيّاً فقط على حسابات أمنيّة وسياسيّة مجرّدة أو لأنّ سنغافورة نفسها عرضت استضافة هذا اللقاء وحسب.

تحفيز مخيّلته؟

البروفسور في جامعة "هارفرد" غراهام أليسون يعتقد أنّ لدى ترامب الكثير من الأوراق غير التقليديّة التي يحتفظ بها لعقد القمّة من بينها نظرته إلى كوريا شماليّة مزدهرة في المستقبل. كتب أليسون في مؤسّسة الرأي الأميركيّة "ذا ناشونال إنترست" أنّ الهدف من هذا الاختيار هو تحفيز مخيّلة زعيم دولة هي الأكثر فقراً وانعزالاً على وجه الأرض. يضيف أنّ سنغافورة تقدّم الصورة الأكثر تأثيراً في هذا المجال إذ تبلغ مساحتها ضعفي مساحة كوريا الشماليّة مع ناتج محلّي إجماليّ للفرد الواحد يكبر ب 38 مرّة ذلك الذي تتمتّع به كوريا الشماليّة. ويقول إنّ أبناء سنغافورة اليوم هم أغنى من الأميركيّين وفق معدّل عام وأغنى بمرّتين من الكوريّين الجنوبيّين.

هل كان الرئيس الأميركيّ ينوي فعلاً أسر مخيّلة كيم من خلال اختيار هذا المكان؟ سؤال يصعب الإجابة عنه حاليّاً. مع ذلك، حتى ولو كان وقوع الخيار على تلك الدولة غير معنيّ بهذا الجانب، لا يعني ذلك أنّ سنغافورة لن تكون نوعاً من تحفيز مجّانيّ وغير مباشر للزعيم الكوريّ كي يسلك مساراً جديداً على أمل أن تتحوّل بلاده يوماً إلى صورة شبيهة أو قريبة من صورة الدولة التي استضافته ذات يوم من حزيران.

صاحب الفضل

قيل الكثير عن قمّة سنغافورة وقيل أكثر عن سنغافورة نفسها، الدولة التي تتميّز بناطحات سحابها وأمنها وحيادها وصرامتها في تنفيذ القوانين حتى على مواطنين أجانب بمن فيهم أميركيّون وسويسريّون لأنّهم خالفوا الأنظمة الداخليّة. يعود الفضل في ذلك إلى لي كوان يو مؤسس سنغافورة ورئيس وزرائها لأكثر من ثلاثة عقود والذي حوّل البلاد إلى ما هي عليه اليوم من ازدهار ورفاهية.



في جميع الأحوال، وكما قال مراسل شبكة "سي أن أن" ويل ريبلي في تقريره، تبقى ربّما سنغافورة خياراً تقليديّاً لقمّة تجمع زعيمين غير تقليديّين.


Digital solutions by