Digital solutions by

الصحافي العائد من الموت...بوتين يتفوّق على شرلوك هولمز

2 حزيران 2018 | 14:56

المصدر: "النهار"

الصحافي الروسي المنشق أركادي بابشنكو.

المشهد مستوحى من أفلام شرلوك هولمز...جثة غارقة بالدماء وآثار رصاص على القميص ، وسيارة اسعاف ومشرحة. والسيناريو مقنع: صحافي أوكراني معارض للكرملين يُردى برصاص عملاء روس في قلب العاصمة الاوكرانية. هذا قبل أن يطل الصحافي "العائد من الموت" بنفسه ليكشف أن الدم لم يكن الا مسحوق تجميل ودم خنزير، والقميص ثقب سلفاً. أما سيارة الاسعاف والمشرحة فكانا من ضرورات الحبكة الملفقة التي قد تكون أنقذت حياة شخص أو أكثر الا أنها أضرت بصدقية حكومة.

صباح الثلثاء، انتشر خبر مقتل صحافي روسي آخر معروف بانتقاده الشديد لنظام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بعدما أصيب بطلقات نارية أمام شقته في كييف، عاصمة أوكرانيا. وتداولت وسائل إعلام صوراً لجثته مغطاة بالدماء، واتهم رئيس الوزراء الأوكراني "الآلة الروسية الطاغية" بالجريمة. لكن في صبيحة اليوم التالي، وقف الصحافي حياً، ليعترف، خلال مؤتمر صحفي، بأن ما جرى كان "عملية سرية" دبرتها الاجهزة الأمنية الأوكرانية بهدف ضبط قاتل مأجور جندته السلطات الروسية ودفعت له مبلغ 30,000 دولار. 

ولم يوضح بابشنكو في المؤتمر الصحافي السبب الذي دفع الأجهزة الاوكرانية للاعتقاد أن هذه "المسرحية" كانت ضرورية، مكتفياً بقوله: "ربما كانت لهم أسبابهم. ربما أرادوا جمع أدلة تكون صلبة 100 في المئة".

ويعتبر بابشنكو أحد أبرز المراسلين الحربيين في روسيا ومعارضاً قوياً للكرملين. وعندما سقطت عام 2016 طائرة ركاب روسية في البحر الأسود وكان على متنها الفرقة الموسيقية العسكرية الروسية الشهيرة "الكسندروف" في طريقها لاحياء احتفال للطيارين الروس المشاركين في الغارات الجوية على مدينة حلب السورية، كتبت على "فايسبوك": لا أشعر بالحزن أو الشفقة على القتلى. ولا أقدم التعازي لأقاربهم وأصدقائهم. القتلى كانوا خدما لدولة أرتكبت انتهاكات".


مذذاك، فتح على نفسه أبوب الججيم وانتشرت دعوات الى تجريده من الجنسية الروسية مع صحافية روسية وترحيلهما ومصادرة أملاكهما بسبب كتابات "تفتقر الى الوطنية".

وهو يقول في مقال له إن حكماً قضائياً صدر في حقه بتهمة عدم دفعه ثمن تذكرة أوتوبيس، علماً أنه جندي سابق وكل وسائل النقل العام هي مجانية له. وأكد تلقيه آلاف التهديدات عبر البريد الالكتروني والهاتف وفايسبوك.

  وعمل بابشينكو المولود عام 1977 في موسكو مراسلا حربيا لدى عدد من الصحف والمجلات الروسية المرموقة مثل صحيفة "موسكوفسكي كوسموليتس" الواسعة الانتشار.

وخدم في الجيش الروسي خلال حرب الشيشان الأولى وكان يكتب في مدونة خاصة بدءا من 1995 . وبلغة ساخرة، قال مرة إنه شارك في عملية "اعادة فرض سلطة القانون" على الشيشان وهي التسمية التي أطلقتها روسيا على حربها في الشيشان التي أدت الى مقتل مئات آلاف الشيشانيين ودمار مدن بأكملها مثل العاصمة غروزني.

وهو استدعي إلى الخدمة العسكرية مرة ثانية في تسعينيات القرن الماضي وكتب في نهاية الفترة الثانية من خدمته العسكرية "لقد أنهيت خدمتي العسكرية دون جراح وأوسمة".

بعد تسريحه من الجيش عمل مراسلا حربيا في مناطق الصراع وساحات المعارك حيث غطى الحرب بين روسيا وجورجيا عام 2008 والحرب في قيرغيزيا 2010.

بعد حملة المضايقة التي تعرض لها، غادر في شباط 2017 إلى العاصمة التشيكية براغ وبعدها إلى اسرائيل وكان اخر المطاف في العاصمة الاوكرانية كييف حيث كان يعمل مذيعا في قناة تلفزيونية لها صلة بتتار شبه جزيرة القرم.

في كييف، التي أصبحت موئلاً لعدد من المنشقين الروس، كان بابشنكو يدرك، أنه لن يكون بمأمن. فقد توالت عمليات اغتيال لمنشقين من أمثاله، واتهم الكرملين بتدبير بعضها.

 وقبل شهر ، حضر عملاء أوكرانيون الى منزله وقالوا له إن الاستخبارات الروسية تخطط لاغتياله مع نحو 30 آخرين، وإنهم يعدون خطة لاحباط العملية والايقاع بالمنفذين.

 كان الاخراج مقنعاً. دم وآثار رصاصات وسيارة اسعاف نقلت "الجثة" الى العناية الفائقة حيث "وثق" أطباء جنائيون وفاته، قبل أن ينتهي به الامر في مشرحة"باردة كالجحيم"، على حد قوله.

داخل المشرحة، "بُعث من الموت" وراح يزيد بقع الدم ومسحق التجميل عن ثيابه. وهناك جلس يستمع الى الاخبار التي تسابقت على سرد بطولاته وصفاته الحسنة. ومع أنه قال إنه أبلغ الى اقاربه عن الحيلة سلفاً، اكد أنه اعتذر الاربعاء لعائلته عن "الجحيم الذي عانته في اليومين الاخيرين".

 وكانت الانباء عن مقتل بابشنكو أثارت صدمة في أوكرانيا حيث اغتيل صحافيون آخرون في السنوات الاخيرة. وفي ظل النزاع المنسي بين موسكو وكييف في شرق البلاد والذي أوقع أكثر من 100 الف قتيل، كان من الطبيعي أن تتجه الانظار الى موسكو في هذه الجريمة الزائفة.

ولكن السيناريو الاوكراني سرعان ما اثار انتقادات دولية واسعة اعتبرت أن كييف أضرت بصدقيتها وقدمت خدمة كبيرة لموسكو.


وقال رئيس منظمة صحافيين بلا حدود بيار هاسكي: "لو كان الامر يتعلق بكرة القدم، لكنا وصفنا ما حصل بأن فريقاً سجل هدفاً في مرماه، ولكان الحدث بلا أهمية. ولكن ما حصل في قضية الاغتيال الزائف للصحافي الروسي المنفي يكتسب طابعاً آخر: اوكرانيا أعطت فوزاً لروسيا في مجال لا يتوقعه أحد: الثقة".

 وقال مارك غاليوتي، الباحث بارز لدى معهد الشؤون الدولية في براغ، والزميل الزائر في المجلس الأوروبي للعلاقات إن الخارجية الحكومة الأوكرانية تعتبر العملية ناجحة، ولكنها، على الأرجح فاشلة، وتعد نكسة استراتيجية بالنسبة لكييف.

وكتب مايكل كاربنتر مساعد نائب وزير الدفاع الأمريكي السابق على تويتر "التكلفة باهظة في ما يتعلق بصدقية المؤسسات الحكومية. ستستغل روسيا ذلك كثيرا"،

لكنه أضاف لاحقا "إذا ساعدت العملية في كشف سلسلة عملاء الاستخبارات الروسية الضالعين في هذه المؤامرة فإنها ستكون عندئذ تستحق العناء".

ولكن كييف دافعت عن موقفها، وقالت إن الحيلة الغريبة كانت ضرورية لحماية حياة بابشنكو ، وإن الهدف كان تعقب أدلة إلى روسيا وكشف خطط لاغتيال الصحافي ونحو ثلاثين آخرين برعاية من الدولة.

ففي معايير كييف، ثمة حاجة إلى نظريات غير تقليدية لمواجهة الحرب الهجينة الروسية المستمرة في أوكرانيا، والتي أدت إلى ضم شبه جزيرة القرم والاستيلاء على الكرملين في شرق البلاد.

وبدا الرئيس بترو بوروشينكو من بين المدافعين عن هذه الحيلة. وأعرب عن اقتناعه بأنه لم يكن هناك حل آخر.

وفي خضم السجال بين المدافعين عن "المسرحية" الاوكرانية والمنتقدين لها، خرجت روسيا "بريئة" من دم بابشنكو وهي لا شك في أنها ستستغل الجريمة "المفبركة" في كل مرة تواجه فيها اتهامات بالتعرض لصحافي أو لناشط حقوقي. ومن دون قصد، أعطت كييف لموسكو ورقة ربحة في حرب المعلومات التي تحولت ساحة مفضلة للكرملين.


Digital solutions by