Digital solutions by

جيوفانّي أوتّوني، الناقد الطبيب الذي لا يمانع مشاهدة ٨ أفلام يومياً

28 نوار 2018 | 21:51

المصدر: "النهار"

جيوفانّي أوتّوني.

أنا طبيب، عملتُ في المستشفى الحكومي في تورينو حتى عام ٢٠٠٤. بدأتْ سينيفيليتي في منتصف الثمانينات. كان في مدينتي مهرجان اسمه "سينما الشباب" وتحوّل اليوم إلى مهرجان تورينو. في مطلع التسعينات، صرتُ أكتب مقالات نقدية، فوراً رحتُ أشارك في المهرجانات الدولية من برلين إلى كانّ. لم أكن أعتاش من الكتابة في الصحافة، لذلك ظللتُ أمارس الطبّ ثم اعتزلتُ، فتزوجتُ من امرأة برازيلية. كنت بلغتُ الخمسين. زوجتي كانت أمّاً لصبي في العاشرة، فزادت مسؤوليتي. سأتقاعد بعد ثلاث سنوات، وحالياً أعيش من مدخراتي ومن القليل الذي أجنيه ولا يتجاوز الخمسة آلاف دولار في السنة حداً أقصى".

هكذا يقدّم جيوفانّي أوتّوني نفسه. هذا الإيطالي التقيته للمرة الأولى قبل ١٣ عاماً إلى مائدة الفطور في أحد فنادق نانت خلال وجودنا في مهرجان القارات الثلاث. يومها بدا لي وقحاً، مستفزاً، فضولياً، عصرياً، مطلعاً على كلّ شاردة وواردة في عالم السينما، وله مقدرة على اقناعك بوجهة نظره. مذذاك، تقاطعت سبلنا مئات المرات في المهرجانات، هو في طريقه إلى فيلم وأنا كذلك، وكنّا دائماً نحرص على تبادل الآراء حول الأفلام التي نشاهدها. مرات كثيرة لم نتفق، ولكن كان لديه دائماً تلك القدرة على شدّ انتباهي في اتجاه تفاصيل معينة، إلى ان قررنا أخيراً ان نجلس معاً لحديث طويل حول السينما الإيطالية والنقد والهواجس المرتبطة بمهنة الكتابة.       

فينيسيا البداية

"في طفولتي، كانت السينما شغفي. لطالما رافقتُ والدي إلى الأفلام. في عمر التاسعة عشرة، تسجّلتُ في جامعة تورينو. كان في مدينتي تقليد سينيفيلي عريق، ارتدنا طويلاً نادياً سينمائياً اسمه "موفي كلوب"، تولى ادارته أشخاص مثل ألبرتو باربيرا وغيره. فينيسيا أول مهرجان شاركتُ فيه في منتصف الثمانينات. صديق يعمل في صالة سينما توسط لي كي أحصل على اعتماد من المهرجان. ادّعى اننيأعمل لحسابه. حصلتُ على اعتماد ثقافي لا صحافي. مهرجان فينيسيا كان جد مختلف في هاتيك الأيام. كانت سينما المؤلف تقليداً راسخاً فيه، مع حضور قوي للسينما الأميركية حتى الـ:مينستريم"منها، لكنه كان أكثر ميلاً إلى الاختبار، أقرب من لوكارنو وروتردام في نسختهما الحالية. كان هناك على سبيل المثل، قسم اسمه "نافذة الصور" وهو البديل لـ"أوريزونتي" حالياً، الا ان الأخير صار فقرة تنافسية، والسبب ان ألبرتو باربيرا في باله نموذج كانّ. "نافذة الصور"كان يجمع الأفلام خارج القالب التقليدي: أفلام تجريبية، متوسطة الطول، ذات طابع فني. فكما تعلم، مهرجان البندقية جزء من مؤسسة البينالي التي تضم المسرح والتشكيل وأشكال الفنون كافة".

السينما الإيطالية

"إيطاليا بلد المشكلات السياسية الدائمة. كانت لدينا كنيستان، واحدة للشيوعيين وثانية للكاثوليك. و"البندقية" كان أهم مهرجان في البلد، لكن السياسيين كانوا يمارسون عليه الضغوط. كان جوليو أندريوتي الشهير أحد أقطاب السينما في الخمسينات، زمن المحسوبيات التي دفعت إلى الأمام بأسماء ساهمت في سينما شعبية حاملة رسالة. حتى "الواقعية الجديدة" تجد فيها الكثير من الروح الديداكتية اذا نظرتَاليها بنظرة الحاضر. فدينو ريزي لم يكن من هؤلاء، بل عبّر عن تناقضات الطبقة الوسطى، وفي ذلك الوقت لم يكن مفهوماً من النقّاد الكاثوليك والشيوعيين. مهرجان البندقية، في مرحلة من المراحل، عرّف، على غرار برلين، بالسينما التشيكوسلوفاكية والروسية وغيرهما، ورمى الجسور بيننا وبين بلدان أخرى.

في مدارس السينما، حيث يسود مناخ معين مشابه للذي يسود في الإيست كوست (أميركا)، هناك إهتمام كبير معطى لأمثال تروفو وبازوليني. سكورسيزي بذل الكثير من الجهد للتعريف ببعض المنسيين، وخصوصاً في مئوية السينما عندما أخرج "رحلة عبر السينما الإيطالية". ولكن، بصرف النظر عن هذا كله، بازوليني كان فعلاً مثقفاً من الطراز الرفيع. تخيل انه كان كاثوليكياً، شيوعياً، مثلياً. في الستينات، كانت هذه فضيحة! ولد في منطقة قرب فينيسيا، لكنه انتقل إلى روما، فتسلق إلى نخبة المجتمع على رغم عدائه لهذا المجتمع. ربطته بأسفل البروليتاريا روابط عاطفية. حتى روما كانت مختلفة في تلك الفترة. احتوت على ثقافة سفلية قيمة، خلافاً للثقافة السفلية اليوم التي أصبحت في زمن العولمة نموذجاً للفوقية والعنصرية. فبازوليني أتيح له ان يكون من نسيج النخبة المثقفة. كان صديق مورافيا. في أيار ١٩٦٨، توجّه برسالة إلى الثوار ليقول فيها إنه يكرههم لأنهم أولاد بورجوازيين وإنه يقف مع عناصر الشرطة لأنهم أولاد الشعب. لذلك يمكن القول انه لم يكن "عادياً" في شيوعيته. أما دينو ريزي فيتحدر من ميلانو، حيث واقع إجتماعي وثقافي مختلف تماماً. كانت الثقافة الأوروبية والتصميم، الخ. شمال إيطاليا فيه الصناعة مع كلّ ما يتحمله من تناقضات سواء لدى البروليتاريا أو البورجوازية التي أتى منها مخرج كريزي. أما أنتونيوني فكان مثقفاً لديه مقاربته الخاصة عن الشعب… مونيتشيللي شيء آخر أيضاً. تصحّ مقارنة ريزي بكلود سوتيه، المختلف تماماً عن غودار و"الموجة الجديدة". النقّاد كانوا ينظرون إلى أعمال كل منهما بنظرة سلبية. المعاملة نفسها يتلقّاها اليوم سورنتينو، لأنه يأتي بحكم أخلاقي لا جمالي في نظر البعض. أنا أحبّه جداً، وخصوصاً لناحية تصرفه بالفضاء، كذلك لقدرته على توظيف عناصر تأتي من التراث النابوليتاني، ولا سيما ما يتعلق بالقاعدة العسكرية الأميركية في نابولي، حيث كان يتجمّع الجنود الأميركيون الذين كانوا يعرفون الجاز وآندي وارهول. هو تأثر بهذا كله، أضف إلى انه لا يوجه أي رسالة. الوضع اليوم أسوأ. الكل يتعامل بطريقةسيئة مع الذين يأتون من البيئات المتواضعة، يعاملونهم بعنف وبلا معايير اخلاقية. هناك غابة في روما.

اذاً، كي نعود إلى أصل الحكاية، فبعد العصر الذهب للسينما الإيطالية الذي شهد إنتاج نحو ٤٠٠ فيلم سنوياً، تراجع كلّ شيء في العقود اللاحقة، أي في السبعينات والثمانينات. الوضع السياسي صار معقّداً، وصعد ما يُسمّى الإرهاب اليساري والأزمة الإقتصادية، فسادت سينما الـ"جانر"، ولا سيما البوليسي منها.

هنا، يجب القول انني لستُ ضد وجود الـ"ماينستريم" الأميركي في المهرجانات. في إيطاليا، هناك حضور قوي للفكر الكاثوليكي اليساري الذي يعتبر أميركا أمّة تقمع الشعب. في المقابل، لدينا انبهار بالثقافة الأميركية. وأحياناً، الانبهار ومشاعر العداء تجتمع في الشخص نفسه.

علاقتنا مع فرنسا كانت دوماً ممتازة، وخصوصاً في مجال الإنتاج المشترك. الانجذاب بيننا محتم، رغم اختلافاتنا. نحب لديهم ما لا نملكه. لدينا فكرة اسطورية عن فرنسا، والعكس صحّ. في بعض الحالات، توجد عداوة أيضاً مصدرها المنافسة. الفرنسيون يعتقدون ان كلّ الإيطاليين فنانون وأنهم الأكثر تفوقاً وذكاءً، من دون أي اعتبار للترييف في إيطاليا التي عانت كثيراً بسبب انها لم تكن أمّة جامعة. فالوحدة الإيطالية حديثة، عمرها قرن ونصف القرن تقريباً، ولطالما عانينا من انعدام التوازن بين الشمال والجنوب. كانت لدينا مجلات سينمائية مهمة، ولكن لا شيء يُقارَن بـ"دفاتر السينما". المشهد الثقافي المهيمن بين البلدين مختلف تماماً. روما ليست باريس. فرنسا كانت أمبراطورية، أصبحت دولة قومية منذ الملك لويس الرابع عشر. إيطاليا قياساً بها، أمبراطورية الأوبيريت (ضحك). إستعمرنا بيسينيا!"

النقد مهنةً وشغفاً

"من الطفولي القول اننا نذهب إلى السينما كي نتفاعل عاطفياً مع الفيلم. لا أخفي هذا. أضحك بصوتٍ عالٍ وأبكي كذلك في بعض الأفلام الميلودرامية. خرجتُ للتو من "انها الحياة" للثنائي توليدانو ووجدته فيلماً بديعاً.

كي تستطيع مشاهدة ٨ أفلام يومياً خلال وجودك في مهرجان، عليك ان تحب السينما، والا بتَّ تتعامل معها كموظف في وزارة. نعم، أشاهد أحياناً ثمانية أفلام ولكن هذا ليس شيئاً أفتخر به، لأني، كالجميع، تستهويني الكتابة في صحيفة يومية، فأنا اليوم في الثالثة والستين، والوضع غير سهل. بدأتُ في عمر متأخر، وكان لي عملٍ ثانٍ. عادةً، أكتب بعد عودتي من المهرجان، لذا لديّ الكثير من الوقت للمشاهدة. قراءة مقالات الآخرين تغنيني حتى لو كنت لا أتشارك وإياهم الآراء. ولكن اليوم هناك هوس بالـ"لايك"، هكذا تُختصر الأشياء. قد أغفو لدقائق، ولكن من النادر جداً ان أنام طوال الفيلم. أسوأ شيء ان أتناول العشاء ليلاً وأدخل الصالة. لذلك، في كانّ، أتعشى في منتصف الليل.

في منتصف سنوات الألفين، عملتُ مبرمجاً لمهرجان بيزارو. هذا سمح لي بالإهتمام ببلدان أخرى. درستُ كيفية طرح المرأة في السينماتين الفلسطينية والإسرائيلية الجديدة، وانكببتُ على السينمات التركية والروسية والهندية، على نحو أستطيع القول بأنني صرتُ داخل السينما "العالمية". هذا لا يعني انني لا أكترث بالسينما الإيطالية، لكنني لا أستطيع منافسة ناس يهتمون بها منذ سنوات. أجدني أكثر اهتماماً بسينما تأتي من تشيلي وكولومبيا، ولي الكثير من المساهمات في السينما اليابانية.

هناك مدوّنات نقدية اليوم يديرها أشخاص من أصحاب الإيغو المتضخم، ولكن لا يمكن التعميم، فهناك أيضاً ناس قديرون يكتبون في الفضاء الافتراضي. بالنسبة لي، النقد هو ان تدخل في عقل المخرج ومشاعره وتفهم حوافزه وتقدم شرحاً، لا ان تروي مشاعرك الخاصة. عليك بمسافة منها. مأخذي على بعض النقّاد الإيطاليين انهم يتمايلون مع الرياح. فبعضهم مثلاً هاجم "الجمال العظيم" لسورنتينو عندما عُرض في كانّ، ولكن عندما فاز بالـ"أوسكار" غيّروا موقفهم منه. وطبعاً، هناك نقّاد في صحف يومية شغلهم مدح الممثلين ونقل الأجواء في المهرجانات. هذا الوضع ليس حكراً على إيطاليا، فالناقد الأول في "ال باييس" الإسبانية، كارلوس بويرو، يتحدث بذاتية شديدة عن مشاهداته. ولكن من النقّاد الكبار الذين أحبّهم هناك برتران تافيرنييه".

تراجع في كلّ المجالات

"اليوم، هناك مشكلة كبيرة في النقد. كثر لا يتمكنون من العيش بالمدخول الذي يوفره لهم. حتى نقّاد المطبوعات الكبرى يمارسون مهناً أخرى كالتعليم، وهذه محنة.

في إيطاليا كما في أي مكان من العالم، هناك تراجع في كلّ المجالات، تراجع يحاول تسخيف الإنسان. ولكن هناك مجموعات ثقافية من الأقليات منبهرة بسينما الـ"جانر" التي تُصنع في الشرق الأقصى. هناك نقّاد شباب لديهم اطلاع كبير على السينمات الكورية واليابانية والصينية، الا انهم غير مهتمين بالحماسة عينها بسينمات أميركا الجنوبية والشرق الأوسط.

أجد انه ضروري جداً ان تعرف الحياة وتجوب العالم كي تكون ناقداً سينمائياً. الكثير من النقّاد يرغبون في المرور إلى خلف الكاميرا فتقتصر كتاباتهم على ملاحظات تقنية دائماً. هؤلاء لا يعرفون شيئاً خارج السينما. أنا سافرتُ كثيراً خلال شبابي، حاملاً شنطة على ظهري. كنت ناشطاً في صفوف اليسار المتطرف، لكني ابتعدتُ دوماً عن العنف. تلقيتُ تربية كلاسيكية، مع عشق كبير للتاريخ والفلسفة. أضف اليهما الجيوسياسة التي تساعدني في فهم السينما. كوني مطلعاً على الحرب الأهلية اللبنانية، هذا ساعدني في فهم التفاصيل التي أفلتت من الآخرين عندما شاهدوا فيلم مثل "قضية رقم ٢٣" مثلاً. هذا أساسي عندي".


Digital solutions by