Digital solutions by

رسالة ميغان المزدوجة لديانا: كان عليكِ التغيير باحترام

20 نوار 2018 | 11:44

الأمير هاري وعروسه ميغان يغادران كنيسة سانت جورج في قلعة وندسور بعد مراسم الزواج (أ ف ب)

شاهدتُ لساعات أمس على الـBBC و الـ CNN مسار حفل زواج الأمير هاري حفيد ملكة بريطانيا والنجل الثاني لولي العهد الأمير تشارلز و الأميرة الراحلة ديانا من الممثلة الأميركية ميغان ماركل التي قامت عام 2015 ببطولة (مشتركة) فيلم تحت عنوان: ضدْ اجتماعي (Anti Social) ولعبت فيه دور سيدة تتورط في متاعب ضد القانون بسبب صديقها (وشقيقه) الذي لديه موقف فوضوي ضد المجتمع يعبّر عنه بالارتباط ببيئة إجرامية تقوم بسرقة محال المجوهرات في وسط لندن. 

قيل الكثير عن طابع تكريم الإرث النضالي الأفرو - أميركي الذي ميّز احتفال هذا الزواج داخل الكنيسة الملكية وخارجها في شوارع ويندسور عبر الغناء والخطبة الدينية والحضور في عرس هذه الليدي الجميلة من أب إيرلندي هولندي الأصل (ليس أكيداً سبب عدم حضوره) وأم سوداء حضرت وأمسكت بذراع الأمير الوالد تشارلز ممثل أرفع وأقوى أريستوقراطية في العالم المعاصر، الأريستوقراطية التي تشعر أمامها بعض (وليس كل) الأريستوقراطيات الباقية في العالم بالدونية المتعددة الأسباب.

قيل أيضا في الصحافتين البريطانية والأميركية عن حرص الأمير هاري على التذكير بوالدته عبر اختيار الورود التي كانت تحب اوماستين من مجموعتها ارتدتهما العروس وغير ذلك ربما من بعض الشكليات الرمزية. 

لكن أعتقد أن الحضور الحقيقي لديانا كما شاءه العريسان ووافقت عليه طبعا المؤسسة الملكية و"منطق الدولة" البريطانية كلها كان عبر رسالتين لا واحدة وجههما الحفل للّيدي ديانا التي قُتلت في حادث سير في صيف 1997ربما كان مدبَّراً بعدما أصبح سلوكها الانتقامي عبئاً خطيراً على الملَكية البريطانية. وهذا رأي متداوَل جدياً في موضوع موتها. 

الرسالة الأولى في الحفل هي رسالة الوفاء، وفاء العريسين لذكراها، لا في الشكل الرومنسي فحسب، بل أساساً في المضمون التغييري، بل التحرري من التقاليد الجافة التي تجعل العلاقات الملكية باردة والقصور سجوناً. (مع أن التاريخ البريطاني شهد واحدة من أجمل قصص الغرام حين تنازل الملك إدوار الثامن عن العرش عام 1936 ليعيش مع حبيبته التي تمنعه التقاليد من الزواج بها باعتبارها متزوجة سابقا مرتين). 

ديانا تمردت على هذا الفراغ القاتل بالنسبة لها... وبقية القصة معروفة. هنا يقول لها العريسان بما لسان حاله: نحن أوفياء لرغبتك بل نذهب أبعد إلى حيث لم تصلي في تكريم وتكريس حقيقي داخل المؤسسة الملكية لثقافة مكافحة العنصرية وتكريس المساواة الإنسانية بين جميع الأعراق. أنتِ رُفِضْتِ بسبب علاقة مع شاب مصري ربما كنت حاملا منه لحظة موتك مما يعني أنك لو بقيت حية كنتِ ستلدين أول أخ غير شقيق مسلم وعربي وإفريقي لحفيد للتاج البريطاني. ها نحن اليوم، "تقول" رسالة العريسين، سنأتي بأول أخ غير شقيق يجري في عروقه دمٌ أسود أفريقي كان قبل أكثر من قرن ونصف قرن من سلالة العبيد الذين خطفتهم سفن جدود الأمير هاري إلى شواطئ أميركا لتخلق بذلك قضية كبيرة لم تنته ذيولها بعد في الحياة الأميركية. صحيح أن جدود عشيق الليدي ديانا الأخير من العرب والمسلمين كانوا متَّهَمين في العصور السابقة لبزوغ الحضارة الغربية بقيادة بريطانيا العظمى بأنهم من بين أكبر تجار الرقيق في تاريخ العالم، غير أن القرون الأربعة الأخيرة هي زمن التأثير البريطاني في رسم وجه العالم حتى بعد أن ضعفت الامبراطورية البريطانية ومنه المسألة العنصرية. 

هذه هي الرسالة الأولى في التأكيد على مضمون وفاء العريسين لإرث ديانا، مضمون تجديدي كان يظهر في رد فعل بعض أعضاء الأسرة الملكية داخل كنيسة ويندسور أمس حين بدت أعينهم مدهوشة مما يحصل من غناء الفرقة السوداء لأغنية (Stand by me) وخطبة القس الأسود الطويلة فعلاً قياساً بوقت العرس وكأنهم لا يصدقون أن هذا يجري بحضور الملكة وداخل إحدى الكنائس الأكثر تقليدية في إنكلترا.

لكن الرسالة الثانية التي يرسلها العريسان إلى الليدي ديانا وخصوصاً من "كنَّتها" الأميركية هي رسالةٌ "تأنيبية" لها، وبالحد الأدنى "ناقدة" للراحلة. "تقول" الرسالة الثانية: أيتها الأميرة كان عليك أن تسعي للتغيير باحترام... وليس بتفلّت شخصي جعلك تظهرين وكأنك تريدين إهانة العائلة المالكة وليس تطويرها. تحول سعيك للتميز إلى طابع فضائحي للسلوك فأحدث الصدمة، لكن في الاتجاهين السلبي والإيجابي معاً... و"انخطف" شبابك الملهم قبل وقته بسبب أخطائك الانتقامية. ها نحن اليوم، هاري وأنا، نذهب أبعد مما أردت في الانفتاح الاجتماعي والانساني لأريستوقراطية مغلقة، إلى انفتاح يضيف البعد السياسي الثقافي إلى الاجتماعي والانساني. انفتاح، بسبب الاحترام، يحظى بموافقة الملكة نفسها التي تشعر هنا أنها مكرمة وليس مهانة كما شعرت، مع الأسف، أيامكِ.

أنت المرأة الرائعة، التي صنعتِ أسطورتَك بدمك، كامرأة باحثة عن الدفء والحب العظيمين، كان عليك لأجل التغيير أن تبعدي عنك الكراهية. وها نحن أوفياء لك ولكل ما أردته. ونكرر أننا ذهبنا أبعد منك بالنتيجة: أنت كنتِ من عائلة هي جزء من الأريستوقراطية البريطانية، أما ميغان ماركل فهي من عائلة هي جزء حقيقي وطبيعي من الطبقة الوسطى الأميركية ومطلقة من زوج (واحد) سابق أيضاً.

‏jihad.elzein@annahar.com.lb

‏Twitter: @ j_elzein

Digital solutions by