Digital solutions by

كانّ ٧١ – "كتاب الصورة": غودار يريدنا شهوداً لا متفرجين

12 نوار 2018 | 19:47

المصدر: "النهار"

"كتاب الصورة" لجان لوك غودار

الطوابير المكدّسة أمام الصالات في كانّ تفتح المجال لتبادل الخبريات الجانبية والآراء السريعة حول الأفلام بين أهل الصحافة. ولك الخيار في ان تتجاهل كلياً الواقف إلى جنبك، وهذا ما يفعله أكثر الصحافيين في أي حال. الصحافة مهنة الانطوائيين، يمضي فيها المرء ساعات طويلة مع نفسه أمام شاشة بيضاء وهو يفكّر في النحو الذي يبدأ فيه مقاله. لذلك فإن لحظات الاحتكاك مع زملاء يتشاركون هموماً واحدة قد تكون ضرورية لاستعادة الصلة بالواقع. هكذا مثلاً، خلال انتظاري في الصفّ لمشاهدة فيلم من أفلام الدورة الحادية والسبعين لمهرجان كانّ السينمائي (٨ - ١٩ الجاري)، التقيتُ ناقداً يهودياً، فلم أستطع ان أمنع نفسي من استفزازه قائلاً له ممازحاً ان الدورة الحالية دورة معادية للسامية بإمتياز. فكيف لا وهي تحوي هذا القدر من الأفلام العربية مقابل غياب أي فيلم من إسرائيل في التشكيلة الرسمية، إسرائيل المدانة عدداً لا يُحصى من المرات في فيلم "طريق السموني" (عن مجزرة عائلة السموني التي نفّذتها القوات الإسرائيلية في الرابع من كانون الثاني ٢٠٠٩) للمخرج الإيطالي ستيفانو سافونا المعروض ضمن فقرة "أسبوعا المخرجين"، علماً ان الفلسطينيين في الفيلم يتحدثون عن جلاّديهم بصفتهم يهوداً، الأمر الذي لم تكف الترجمة المكتوبة عن تصحيحه واعتبارهم إسرائيليين لا أكثر. شيئان آخران يؤكدان "التهمة" على المهرجان: قرار اعادة المخرج الدانماركي لارس فون ترير إلى الكروازيت بعد فضيحة "طرده" منها في العام ٢٠١١ عقب تصريحه الاستفزازي عن تفهمه لهتلر، ومشاركة جان لوك غودار الذي لطالما عُرف بأفكاره الملتبسة حول المحرقة، فلم يفلت هو الآخر من تهمة معاداة السامية الجاهزة، بسبب بعض زلاته من مثل: "اليهود تركوا النازيين يسوقونهم إلى غرف الغاز كالخواريف، وبذا ضحوا بأنفسهم كي تقوم إسرائيل".   

هذا كله مدخل للحديث عن غودار (٨٧ عاماً) وفيلمه الجديد، "كتاب الصورة" (مسابقة)، وكان الأجدر به ان يسمّيه كتاب الصور، لكن غودار أعلم. مناقشته قضية خاسرة، الرجل فوق النقد، اذ لا توجد مرجعية يمكن الاستناد اليها لتقييم هذا العمل أو أي من أعماله الأخيرة. هذا شيء يتجاوز السينما والفنّ، يكسر علاقة الصانع بالمتفرج التقليدية، انه مفهوم للسينما يتجرّد كلياً ليعود إلى الأصل والمنبع، أي إلى الفكرة والكلمة، لذا لا يُمكن مقارنة غوادر إلا بغودار.

نحن في "كتاب الصورة" شهود أكثر من كوننا مشاهدين، وفي هذا ينبذ غودار تقاليد العمل الفني ليحملنا إلى لعبة تماهٍ من خلال حرفة يملك سرّها، وهذه الحرفة هي في قلب عملية خربطة علاقتنا بالمشاهدة منذ زمن طويل. غودار يُغرقنا في نهر من الصور المتدفقة التي تخنقنا حرفياً. لا نفهمها دائماً، لا نتدارك مكانها في الإعراب، نبحث عبثاً عن منطقها التسلسلي، ولكن هل من ضرورة لهذا المنطق؟ فالمسألة هنا، كما كان يقول جان كوكتو، لا تتعلق بالفهم بقدر ما تتعلق بالإيمان.

يفتتح الفيلم بإصبع مرفوعة تقول الكثير عن وجهة النظر التي يتبناها هنا صاحب "الاحتقار". مونتاجه يتجوّل في حقل ألغام. ما الرابط بين مَشاهد من فيلم "الفكّ المفترس" لسبيلبرغ و"سالو" لبازوليني؟ ربما عليك انتظار مسح شامل للعنف والحروب وأميركا والفاشية… فهذا يشرح ذاك، حتى وإن مرت ربع ساعة بين اللقطة وصداها.

"كتاب الصورة" لا يختلف في العمق عمّا قدّمه غودار في أفلامه الأخيرة منذ "في مديح الحبّ" (٢٠٠١). انه نوع من "زابينغ" أو كولاج ينتقل بنا من أميركا إلى الشرق الأوسط، من السينما إلى الفلسفة والشعر والموسيقى، من الأنا التي تعبّر عنها إصبع البداية إلى القلق الجمعي على مستقبل الإنسان. في نصّ مفتوح على كلّ التناقضات (ضد الثورة ومعها في الحين نفسه)، يرمي غودار هنا وهناك جملاً وقفشات وأقوالاً، بعضها له وبعضها الآخر لملمه عبر الزمن من مصادر مختلفة. الفيلم جد مزدحم، لكن ما يهم غودار هو إيجاد هذا الرابط بين أشياء بعيدة بعضها عن بعض للوهلة الأولى. ما يريد غودار ابرازه هو الفعل ورد الفعل اللذان يحكمان الكون.

وسط هذه الفوضى المنظمة بدقّة، يزحف العالم العربي إلى الفيلم. هنا يرسم غودار العديد من علامات الاستفهام حول الاستشراق، ويدخل في لازمة "أمام عيون الغرب". ما يقترحه هنا هو لوحات تحكي القرن الذي مضى متسائلاً عن وظيفة الصورة (السينمائية تحديداً) في كتابة مآسينا. في هذا المجال، يتجلى غودار سيد تنوير شغوفاً بالآخر، الضعيف المهمش.

غودار في أوج "تفكيكيته" هنا. كأنه يهبط علينا من العالم الآخر. قفزاته التوليفية أروع من أي وقت مضى، تكاد تكون ساخرة، وتقول حكاية موازية. معظم الصور اشتُغلت كي يصبح اللون السائد فيها إما صارخاً وإما باهتاً، ومعظم هذه الصور رديئة متأكلة، تقدّم حقيقة بديلة، مرعبة عن سابق تصور وتصميم. يكاد العمل يكون مانيفستو لكلّ ما يعتري السينما الحالية: نقاوة الصورة ذات الدقّة العالية، التفسير، الربط الدائم بين السبب والنتيجة. غودار لا يأبه بهذا كله، يقول كلمته ويمضي، جوعه إلى التصوير لا يستمده من نظرة الآخر ورأيه وحماسته. هو المخترع لا التلميذ. فائض العبقرية والباع، جعله يلهو بالسينما التي لا يريد منها أياً من الأشياء التي يريدها الآخرون، لا الشهرة ولا المال ولا تأكيد الأسبقية.

كلّ بضع ثوانٍ، يتغير مناخ الفيلم. تخيلوا ذلك على مدى ٨٠ دقيقة. هل نحن أمام فيلم يفتقر إلى الوحدة؟ اطلاقاً. هنا عظمة غودار. التشتت البصري لا يتناقض مع وحدة الخطاب. الشريط الصوتي يلمّ الشمل، هو الآخر، مقطع، لا يتوانى عن ابتلاع بعض الجمل.

كالعادة، لم يحضر غودار إلى كانّ. فهو لا يزال في وجدان كثرٍ منّا ذاك الشاب الذي صرخ قبل خمسين سنة بالتمام، أيام ثورة ٦٨: "أكلّمكم عن تضامن مع الطلاب والعمّال، وأنتم تحدّثونني عن حركة ترافلينغ ولقطة قريبة". لكن غياب غودار بمنزلة حضور. هذا الثائر الأبدي لم يصبح بورجوازياً يوماً، ظلّ مبهماً غاضباً يؤمن بأن اللسان غير اللغة، ويأتيك من حيث لا تتوقعه.


Digital solutions by