Digital solutions by

كانّ ٧١: دورة مهداة إلى رجل السينما بيار ريسيان

8 نوار 2018 | 21:30

افتُتحت هذا المساء الدورة الحادية والسبعون لمهرجان كانّ السينمائي (٨ من الجاري- 19 منه) بفيلم المخرج الإيراني أصغر فرهادي، "الكلّ يعلم"، وهذا ثاني فيلم يصوّره خارج بلاده بعد "الماضي" الذي التُقطت مشاهده في فرنسا. الفيلم تم تصويره في إسبانيا، وهو من بطولة خافيير بارديم وبينيلوبي كروز، وناطق بالإسبانية. الكوميدي ادوار بايير هو الذي تولى تقديم احتفال الافتتاح في مسرح "لوميير" المهيب الذي يستوعب ٢٢٠٠ مشاهد.  

بدأ الحفل بعرض مشهد شهير من "بيارو المجنون" لغودار الذي استلت منه الدورة الحالية ملصقها الرسمي. مشهد تقول فيه آنا كارينا "لا أعرف ماذا أفعل". وألقى ادوار بايير خطاباً مملوءاً بالمشاعر والسخرية، ووجه فريمو تحيّة للجالسين في الطبقة العليا من الصالة كونهم السينيفيليين الحقيقيين. وبعد تقديم أعضاء لجنة التحكيم، شاهدنا لقطات من الأفلام المشاركة، فاستمعنا لأغنية "كلّ طواحين قلبي" الجميلة. وأُسنِدت إلى مارتن سكورسيزي الذي سيستلم جائزة الـ"كاروس دور" غداً مهمة الإعلان عن إفتتاح الدورة.

الدورة مهداة الى مَن لُقِّب برجل السينما، الفرنسي بيار ريسيان، مكتشف المواهب والسينيفيلي النهم واليد الخفيّة في كانّ لسنوات طويلة، ولطالما كان صلة الوصل بين سينمائيين كبار مثل كلينت إيستوود والمهرجان، ومساهما كبيرا في النهضة السينيفيلية في باريس الستينيات، وأول مَن رشّح أفلام سكورسيزي وكوبولا وكامبيون وتارانتينو لإدارة كانّ. سبب هذا الإهداء هو ان ريسيان رحل الأحد الماضي بشكل مفاجئ عن ٨١ عاماً، وقد ذاع الخبر صديقه منذ قرابة نصف قرن برتران تافيرنييه على صفحة معهد لوميير الذي يترأسه. وسيُعرض فيلم "خمسة والجلد" الذي أخرجه ريسيان الإثنين المقبل.

لجنة تحكيم الدورة الحالية التي تترأسها الممثلة الأوسترالية كايت بلانشيت يتوجب عليها اختيار الفائزين من بين ٢١ فيلماً. وقد عُقد بعد ظهر اليوم مؤتمر صحافي مع أعضاء اللجنة التي ضمّت من بين مَن ضمّت الكندي دوني فيلنوف والفرنسي روبير غيديغيان والروسي أندره زفياغينتسف والأميركية كريستين ستيوارت. كان متوقعاً ان تدور الأسئلة خلال الجلسة مع الصحافة في فلك الجندرية وحصة المرأة من لجنة التحكيم والأفلام المشاركة. كلّ هذا في ضوء حركة "مي تو" التي نددت ببعض الممارسات المشينة في حقّ النساء اللواتي يعملن في مجال السينما. بلانشيت وزملاؤها تكلّموا أيضاً عن المعايير التي سيعتمودنها لاختيار الفيلم الفائز بـ"السعفة الذهب"، ولم تخفِ الممثلة الأوسترالية، رداً على تعليق من صحافية قالت ان كانّ يقدّم رؤية قديمة للمرأة، بأن الجمال والأناقة والغلامور من الأشياء التي لا تتناقض مع الذكاء!

يشهد المهرجان هذا العام مجموعة من التعديلات، بدءاً من انتقال موعد انطلاقه من الأربعاء إلى الثلثاء، وصولاً إلى الغاء العروض الصحافية التي تسبق العروض الرسمية، وجعل الاثنين في توقيت واحد، الشيء الذي أثار قلق الكثيرين، وهو في الحقيقة يربك عمل الصحافة، الأمر الذي تداركه المهرجان ممّا دفع المدير الفني تييري فريمو إلى عقد اجتماع طارئ أمس مع الصحافة (لم يُعلن عنه إلا قبل ساعتين). وكان المهرجان قد بعث السبت الفائت برسالة الكترونية يشرح فيها أسباب هذا الخيار محاولاً ارضاء الصحافيين بادخال بعض الاصلاحات التي تسهّل عملهم وتنقلهم داخل مقر المهرجان. لم يعد سراً ان المهرجان لجأ إلى هذه المباردة بهدف "حماية" السينمائيين من الأذى المعنوي في زمن التحولات التي طرأت على مهنة الإعلام في السنوات الأخيرة، فأصبح أي كان ينشر رأياً عن الفيلم على صفحته في مواقع التواصل، حتى قبل انتهاء الفيلم، الأمر الذي جعل بعض السينمائيين يشعرون باحباط شديد وهم يتسلقون السلالم الحمراء.

الرئيس الأسبق للمهرجان جيل جاكوب (لا يزال رئيساً فخرياً له)، أجرى السبت الماضي مقابلة مع صحيفة "نيس ماتان"، قال فيها رأيه الصريح: "كانّ لا يزال في صدارة المهرجانات في العالم، ولكن على اداراته توخي الحذر، لأن المنافسين لا يبقون أيديهم في جيوبهم. مشكلة كانّ تكمن أولاً في مشاكله الخاصة التي يجب ان تُحل، فمن غير الطبيعي ان تختلف أسعار غرف الفنادق بهذا القدر بين الموسم وخارجه. كانّ دجاج يبيض ذهباً ويجب الانتباه الى عدم قتله". عن الصحافة، قال جاكوب انه يجب الاعتناء جيداً بها، خصوصاً الصحافة اليومية المكتوبة، ذلك ان هؤلاء النقّاد هم الذين يصعنون المهرجان. وعن الغاء عروض الصحافة التي كانت تجري قبل العروض الرسمية، قال إنه قرار جديد سيُعاد النظر فيه في السنوات المقبلة، فلا يمكن الاستغناء عن الصحافة التي تُعتبر سلطة مضادة. "بلا النقّاد المكلّفين شرح تطوّر الفنّ السابع، الناس سيبقون معجبين بالأفلام نفسها".

هذا العام، الـ"سلفي" ممنوع منعاً باتاً على السجادة الحمراء. أسباب عديدة جعلت الإدارة تتخذ هذا القرار، منها ان التقاطه يُبطئ كثيراً عملية إدخال ٢٢٠٠ شخص إلى الصالة خلال العروض الرسمية. فبعضهم يقع أرضاً وهو يلتقط الصورة، ويشيع هذا حالاً من الفوضى العارمة، كما قال فريمو، مؤكداً أن هناك سبباً فلسفياً أيضاً خلف هذا القرار. يبدو ان هناك تصميماً على محاربة هذه الظاهرة "غير اللائقة"، وقد أعطي لكلّ واحد من الصحافيين عند تسلم بطاقتهم ورقة تذكّرهم بالتزام هذا القرار، على ان يتم اخراجهم من المكان في حال امتناعهم عن ذلك.

سينمائيان أفلامهما يشاركان في المسابقة الرسمية، قد يتغيبان عن المهرجان هذا العام لأسباب خارجة عن إرادتهما: الإيراني جعفر بناهي الذي يأتينا بـ"ثلاثة وجوه"، فيلم طريق في إيران المعاصرة عن ثلاث ممثلات في فترات مختلفة من حياتهن. قال المهرجان ان السلطات الإيرانية ستتلقى رسالة من جانب السلطات الفرنسية للسماح لبناهي بمغادرة أراضيها وتقديم عمله، ثم التمكن من العودة اليها لاحقاً بلا أي مشكلة، ذلك انه ممنوع من العمل والسفر منذ عام ٢٠١٠. المخرج الثاني هو الروسي كيريل سيريبرينيكوف الذي يشارك في "صيف" (سيرة الروك في زمن بريجنيف)، وهو محتجز في إقامة جبرية في موسكو، بعدما تم إتهامه باختلاس أموال عامة في إطار عمله رئيساً لمسرح، الا ان محاكمته أخذت طابعاً مسيساً، ما دفع بالعديد من الفنانين حول العالم إلى التضامن معه.

مَن سيكون خلف الأسوجي روبن أوستلند في الفوز بـ"السعفة الذهب"؟ الإجابة بعد ١٢ يوماً من المشاهدة الأكولة والانغماس الكامل في واقع العالم من أقصاه إلى أقصاه. والآن، هلمّوا إلى الأفلام…


Digital solutions by