Digital solutions by

"سيدر": الاسم وحده يلخّص حاجات لبنان والحلول لمشاكله

20 نيسان 2018 | 19:07

الحريري في المؤتمر.

إن مؤتمر "سيدر" الذي دعوتمونا إليه، هو اسمٌ مناسب: المؤتمر الاقتصادي للتنمية عبر الإصلاحات ومع المؤسسات الخاصة. فهذا الإسم وحده يلخّص حاجات لبنان والحلول لمشاكله.

لقد أعاد هذا المؤتمر وضع الاقتصاد اللبناني في صلب اهتمامات المسؤولين السياسيّين في لبنان.

وهو يثير نقاشاً عاماً غاب منذ زمن. ذلك أن اقتصاد لبنان كان مهملًا في السنوات الأخيرة، وقد عانى الكثير بسبب الأحداث المتعدّدة التي هزّت منطقتنا. برزت من بينها طبعاً الأزمة السورية منذ العام 2011 التي أغرقت لبنان في مرحلة من عدم الاستقرار شهد فيها تدفّق النازحين الذين باتوا يشكّلون اليوم ثلث عدد سكّاننا. وقد ألقى هؤلاء النازحون بثقلهم على البنى التحتية، كما أخلّوا بالتوازن الاجتماعي في بلادنا. وبما أن حدودنا البرّية كانت مقفلة، فإنه لم يعد بالإمكان إرسال صادراتنا عن طريق البرّ. أما الاعتداءات الإرهابية وعمليات الإخلال بالأمن، فقد ضربت السياحة والقطاع العقاري، اللذين يشكّلان المحرّكين الأساسيّين للنمو في لبنان. أضف إلى أن انخفاض أسعار السلع الأساسيّة وتأثيره على البلدان التي يعمل فيها الانتشار اللبناني، في الخليج وأفريقيا، قد أبطأ تدفـّق الرساميل الوافدة إلى لبنان. لقد وجّهت هذه الأحداث كلّها ضربة قوية لاقتصادنا، لكنه حافظ مع ذلك على مناعة لافتة.

أما معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي، فقد تدنّى الى ما يراوح بين 1 و2% حالياً، بعد فترة الازدهار الواقعة بين 2008 و2010 حيث بلغ ما بين 8% و10%. لكننا تفادينا الركود واستمرّ البلد في اجتذاب رؤوس الأموال وفي تحقيق مشاريع استثمارية خاصة. في تلك السنوات السبع، وحده مصرف لبنان عمل على إنعاش الاقتصاد متجاوزاً مهامه ليولّد بنجاح كبير، وبفضل تحفيزات مالية، واستثمارات لتنمية الاقتصاد واستحداث فرص عمل. منذ باريس 3، ضاعف القطاع المصرفي ثلاث مرّات حجم تمويله للقطاع الخاص، من 20 مليار دولار أميركي في نهاية العام 2007 إلى 60 مليار في نهاية العام 2017، ما يشكّل أكثر من 110% من الناتج المحلي الإجمالي. وتبلغ هذه النسبة نفسها 61% في العالم العربي و97% في أوروبا.

 

لاقتصادنا قدرات هائلة

فقد زاد حجمه منذ باريس 3 بما يفوق الضعفين، وأكثر من 19 ضعفاً منذ نهاية الحرب الأهليّة. وأظنّ أنه يمكن أن يتضاعف بعدُ في السنوات العشر المقبلة، ما سيخفّف من عبء الدين، شرط أن يتوقف النزف المتمثّل بعجز الموازنة وأن تتحرّر طاقة موارده البشرية.

بعبارة أخرى: شرط أنْ نقوم بإصلاحات.

وهذه الإصلاحات كثيرة وضرورية على مستوى الدولة. لكنّ خطة العمل بسيطة. ليس علينا أن نحدّد رؤية اقتصادية لبلادنا فحسب، بل أن نلتزم بتحقيقها. يجب تحسين بيئة الأعمال عبر إقرار القوانين المتعدّدة التي أعدّها لهذا الغرض الفريقُ الاقتصادي العامل مع رئيس الحكومة. يجب مراجعة سياستنا الضريبية بما يناسب هذه الرؤية الاقتصادية. كما أن وتيرة هذه الإصلاحات ستكون أساسيّة؛ وعلينا ألا نضيّع فرص التمويل التي تمنحها المؤسّسات الدولية. علينا أن نتعهّد بتنفيذ برنامج لخفض عجز الموازنة بشكل جذري على خمس سنوات. وسيتطلّب هذا البرنامج وقف التوظيف في الدولة، وإصلاح نظام تعويضات نهاية الخدمة، والعمل على رفع مستوى الإنتاجية. وبرأيي، يجب أن يحدث ذلك في حقلين أساسيَّين: إعادة هيكلة قطاع الكهرباء الذي يلقي بثقله على حوالى ثلث العجز العام، والذي تمثّل كلفته المتراكمة منذ نهاية الحرب 40% من الدين العام. أما الحقل الثاني فهو إصلاح نظام التقاعد وهو شبه غائب.

فلا بدّ من إعداد إطار قانوني بسرعة للتحفيز على تشكيل صناديق تقاعد يساهم فيها كلٌّ من ربّ العمل والمستخدَم، ما يسمح بتأمين معاش تقاعدي ملائم للموظّفين وحلّ مشكلة اجتماعية باتت اليوم جسيمة. كما يتيح أيضاً تنمية قطاع إدارة الأصول التي ستؤدّي بدورها إلى تطوير حقيقي لسوق رؤوس الأموال. سوف تكون هذه الصناديق مصدرًا جديدًا لتمويل القطاع العام، ولا سيّما المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم التي ستتمكّن من الاستثمار الرأسمالي في مؤسّساتها حين تحصل على أموال طويلة الأجل. فإنشاء صناديق التقاعد هذه سيحدث تغييراً جذرياً في اقتصادنا وفي تطوره.

وبمعزل عن تحسين بيئة الأعمال، نفكّر في ثلاثة محاور لنموّ اقتصادنا:

  المحور الأول: قطاع النفط والغاز الذي يشكّل فرصة حقيقية للبنان 

وهنا لا بدّ من انتظار مرحلة التنقيب لنكتشف الطاقة الحقيقية لمواردنا، لكنّ شركات التنقيب بحاجة إلى أن تستقـــرّ في لبنان وأن تستأجر مكاتب لها وشققاً لمدرائها، وأن توظّف موارد بشرية وتلزّم عن طريق التعاقد الداخلي الكثير من الخدمات. سوف تنشأ شركات جديدة، ستستثمر بدورها لخدمة هذه الصناعة الجديدة. إذاً، إن لهذه الفرصة وحدها القدرة على إطلاق سلسلة من الاستثمارات التي سيستفيد منها الاقتصاد اللبناني.

المحور الثاني: اقتصاد المعرفة

وقد أطلق مصرف لبنان مبادرة تطوير قطاع ريادة الأعمال لاستحداث فرص عمل والحفاظ على الرأسمال البشري في لبنان. ذاك أن التعميم رقم 331 يسمح للمصارف باستثمار 4% من أموالها الخاصة في شركات ناشئة أو في شركات يكون موضوعها محصوراً بالمشاركة في رأسمال شركات ناشئة، مع ضمانة من المصرف المركزي بنسبة 75% مقابل 50% من الأرباح. وقد بدأت النتائج الإيجابية لهذا التعميم بالظهور، ما يُبرز لبنان كمركز للابتكار. ويمكن أن يولّد القطاع الرقمي نموًّا إضافيًا في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 1،5% في خمس سنوات.

وتأتي أخيرًا الشراكات بين القطاع العام والقطاع الخاص لتكون المحور الثالث في نموّ الإقتصاد اللبناني.

باختصار، إننا أمام فرصة حقيقية من أجل إصلاح الدولة اللبنانية والاستثمار في البنى التحتية مع تفادي زيادة أعباء المالية العامة باستدانة إضافية، ومع زيادة فاعلية الاستثمارات وتحسين التقديمات العامة للمواطنين. فالسبيل الوحيد لاجتذاب استثمارات ضخمة إلى لبنان هو تخصيص الخدمات العامة أو إرساء شراكات بين القطاعين العام والخاص. إننا ندعم برنامج الاستثمار الذي وضعته الحكومة ونشدّد على أهمية اتّباع توصيات صندوق النقد في إدارة هذا البرنامج، خصوصاً لجهة ضرورة اعتماد معايير الحوكمة الرشيدة. ينبغي القيام بإصلاحات مسبقة وتعزيز الإطار الإداري للاستثمارات العامة. والقطاع المصرفي مستعدّ لمواكبة هذه الإصلاحات التي يتعيّن على الحكومة أن تنفذّها، كما لتأمين جزء من التمويل المطلوب ضمن الشراكات بين القطاعين العام والخاص.

  أودّ أن أشكر فرنسا، لا سيّما رئيس جمهوريتها، على دعمها المستمرّ للبنان، وجميع المشاركين في هذا المؤتمر. إن وجودكم اليوم خير دليل على الأهمية التي تعطونها لبلدنا الصغير، وعلى رغبتكم في تأمين الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي للبنان. إن التزامكم بدعمنا سيعزّز ثقة اللبنانيّين ببلدهم وثقة المستثمرين الدوليّين بمستقبل لبنان. 

رئيس مجلس إدارة ومدير عام البنك اللبناني الفرنسي

- مداخلة ألقاها في مؤتمر "سيدر" في باريس، يوم الجمعة 6 نيسان 2018.

Digital solutions by