Digital solutions by

محدوديّة الضربة الغربيّة قد لا تلغي "سلبيّتها" ... أيّ ردّ محتمل لبوتين؟

15 نيسان 2018 | 16:55

المصدر: "النهار"

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يحضر مؤتمراً صحافياً على هامش قمة مجموعة العشرين في هامبورغ، 8 تموز 2017 - "أ ب"

"الكرة الآن أصبحت في ملعب الروس" ... هذا ما تتقاطع عنده تحليلات غربيّة كثيرة من بينها ما ذكره الباحث نيكولا غفوسديف في مؤسّسة الرأي الأميركيّة "ذا ناشونال إنترست". بعد توجيه الغربيّين ضربتهم العسكريّة إلى مواقع مرتبطة بالسلاح الكيميائيّ السوريّ، تتوجّه الأنظار إلى #روسيا لمعرفة الشكل الذي سيتّخذه الكرملين ردّاً على التحرّك الغربيّ الأخير. صحيح أنّ محدوديّة الضربة ودقّتها يمكن أن تعطيا رسالة تطمين إلى موسكو حول عدم نيّة الولايات المتّحدة في استفزاز الروس وفي خلخلة موازين القوى التي برزت بعد تدخّلهم في الحرب السوريّة. لكن مع ذلك، تمّ استهداف مواقع سوريّة مرّتين خلال سنة واحدة وقد أتى هذا الاستهداف بالرغم من التحذيرات الروسيّة من "العواقب " المحتملة.

من جهة ثانية، كان لافتاً تصريح رئيس هيئة الأركان الأميركيّة الجنرال جوزف دانفورد عن أنّ بلاده لم تقم بأيّ تنسيق مع روسيا بشأن هذه الهجمات ولم تبلّغها مسبقاً بها. وقد يكون في هذا الكلام رسالة ضمنيّة إلى أنّ الروس لا يملكون جميع مفاتيح اللعبة في سوريا. أمّا موقف الرئيس الروسيّ فلاديمير #بوتين الذي عبّر عنه بيان صادر عن الكرملين فقد جاء حادّاً واصفاً الردّ الغربيّ بأنّه "عمل عدوانيّ". وما يؤكّد حدّة الموقف إشارة البيان إلى "التأثير التدميريّ على كامل نظام العلاقات الدوليّة" مضيفاً أنّ "التاريخ سيضع جميع الأمور في نصابها وقد سبق أن حمّل واشنطن مسؤوليّة المجازر الدمويّة في يوغوسلافيا والعراق وليبيا".

إعادة نظر بالتعهدات السابقة

إنّ عودة الكرملين بالذاكرة كثيراً إلى الوراء وصولاً إلى الحرب في يوغوسلافيا يبرز غضب بوتين من التحرّك العسكريّ الأخير الذي أعقب تحرّكاً ديبلوماسيّاً قامت من خلاله دول غربيّة بطرد عشرات الديبلوماسيّين الروس من بلادها بعد قضيّة تسميم الجاسوس سكريبال. أشارت وكالة "رويترز" إلى أنّ الجنرال الروسيّ سيرغي رودسكوي قال إنّ موسكو تدرس تأمين صواريخ أس-300 الدفاعية إلى سوريا ودول أخرى. وأضاف أنّ موسكو رفضت بيع هذه الصواريخ في السنوات الماضية لأنّها "أخذت بالاعتبار المطلب الملحّ من بعض شركائنا الغربيّين" بعدم فعل ذلك. لكن بعد الضربة الغربيّة، تحدّث رودسكوي على أنّه "من المحتمل العودة إلى دراسة هذه المسألة لا تجاه #سوريا وحسب بل تجاه دول أخرى أيضاً". وتزامن هذا التصريح مع حراك سياسيّ قام به الكرملين خلال الساعات الماضية. فقد طالب الروس سريعاً مجلس الأمن بعقد جلسة استثنائيّة لمناقشة التطوّرات العسكريّة الأخيرة. ونقلت وسائل إعلاميّة أنّ برلمانيّين روساً التقوا اليوم بالرئيس السوريّ بشّار #الأسد في دمشق. وتبقى تساؤلات عمّا إذا كانت هذه المواقف التضامنيّة ستترجَم بمزيد من التصعيد الميدانيّ.

ماذا عن الساحة السوريّة؟

من الممكن أن تكون سوريا تربة خصبة للمواجهة بين الروس والغربيّين في حال أراد الرئيس الروسيّ الانتقام من الضربات الأخيرة. لكنّ أيّ صدام مباشر بين الطرفين سيدهور الأمور بطريقة تخرج عن السيطرة كما يؤكّد كثر. يكتب تيم ليستر في موقع شبكة "سي أن أن" الأميركيّة أنّ البديل عن الصدام المباشر بالنسبة إلى روسيا قد يكون تعزيز دور حرب الوكالة في سوريا ولو سرّاً لمهاجمة القوّات الأميركيّة وحلفائها في شرق الفرات. ويضيف أنّ روسيا قد تقرّر عدم تقييد الإيرانيّين عن التمدّد في جنوب سوريا لإزعاج الإسرائيليّين. ومع أنّ بوتين يملك علاقة جيدة طويلة مع رئيس الوزراء الإسرائيليّ، فقد حذّره خلال الأسبوع المنصرم من شنّ أيّ عمليّات عسكريّة في سوريا بعد هجومه على قاعدة التيفور كما يذكر ليستر.

"هذا الموضوع اختفى"

يجد محلّلون آخرون أنّ الضربات التي وجّهها الغرب كانت مدروسة وبالتالي لا توقّعات حقيقيّة بأن يكون هنالك ردّ فعل انتقاميّ من واشنطن. أشارت "وكالة الصحافة الفرنسيّة" إلى أنّ ناشر مجلّة "روسيا في الشؤون الدوليّة" فيودور لوكيانوف المقرّب من الكرملين قد أخبر وكالة "تاس" الروسيّة أنّ الهدف الأساسيّ من وراء الهجوم كان "استعراض قوة". وأضاف: "تمّ اختيار الأهداف بعناية فائقة من أجل إبقاء الوضع تحت السيطرة". وكان لألكسي مالاشنكو، رئيس الفريق البحثيّ في "معهد حوار الحضارات" ومقرّه موسكو، رأي مشابه. فقد تحدّث عن أنّ أحداً لم يعد يسمع بأخبار الردّ: "لا نسمع أي شيء حول هجمات انتقاميّة، هذا الموضوع اختفى". وأشار إلى أنّه "عمليّاً يعتقد الجميع بأنّ ردّاً عسكريّاً من روسيا غير ممكن، هذا خطير جدّاً وقد يحمل تأثيراً معاكساً".

أموال على "فيل روسيّ أبيض؟"

يتساءل غفوسديف عمّا إذا كان بوتين سيترك الضربة الأخيرة تمرّ بدون ردّ فعل كما حصل السنة الماضية. لكنّه مع ذلك، يقول إنّ مقاربات النظرة إليها "ما زالت سلبيّة بالنسبة إلى الكرملين"، فروسيا قد تبدو أمام احتمالين كما يشرح: إمّا أنّها "أذعنت للضغوط الغربيّة كي تسمح بالضربة التي تبدو سيّئة من منظور الديبلوماسيّة العامّة، أو أنّ نظامها الدفاعيّ الجوّيّ المتبجّح به ليس جيّداً كما تقول الدعاية عنه، بما يعني أنّ الراغبين المحتملين بالشراء حول العالم، بما فيهم تركيا والصين، قد يفّكرون مجدّداً بما إذا كانوا يريدون إنفاق أموال كثيرة على فيل روسيّ أبيض". (مصطلح يشير إلى حيازة ملكيّة أو مشروع كلفته وكلفة صيانته أكبر بكثير من فائدته المرجوّة). ويرى غفوسديف أنّه في حال أراد بوتين الردّ، فقد تبرز الهجمات السيبيريّة كأحد الأساليب الممكنة في هذا المجال.



لكن في المحصّلة، قد لا يعتمد الردّ المحتمل فقط على نظرة روسيا ومقاربتها لتلك الضربات التي وجّهتها واشنطن ولندن وباريس. فموسكو تريد في نهاية المطاف إنجاح مسار أستانا الذي يقترن بمنع التدهور من بلوغ مرحلة حرجة، وهذا ما قد يدفعها إلى التعاطي مع الحراك الغربيّ الأخير بأعصاب باردة.


Digital solutions by