Digital solutions by

من باريس "1" إلى "2" و "3" وصولاً إلى "سيدر 1 "...مؤتمرات لإنقاذ لبنان فماذا تحقق منها؟ (الجزء الاول)

12 نيسان 2018 | 20:41

المصدر: "النهار"

شهد الاقتصاد اللبناني تراجعاً كبيراً نتيجة الازمات السياسية المتلاحقة في البلاد، بالاضافة إلى ما حملته الازمة السورية من تداعيات على الوضعين المالي والاقتصادي، وخاصة في ما يتعلق بالتكاليف التي ما زال يتحملها لبنان. فلبنان شهد في السنوات الثلاث التي سبقت الأزمة السورية، نمواً سنوياً بمعدل 8% كحد متوسط. ومع الحرب في سوريا وأزمة اللجوء الكبير للسوريين إلى لبنان، تراجع هذا النمو إلى معدل سنوي بلغ 1% فقط. وفقا للبنك الدولي، فإن الخسارة في الناتج المحلي الإجمالي في لبنان بسبب الأزمة السورية كانت 18 مليار دولار حتى سنة 2015، ما يعني انها تخطت الـ 20 مليار دولار نهاية العام 2017. وزادت نسبة الفقر والبطالة بشكل ملحوظ. وانخفضت الصادرات بمقدار الثلث. كما وازداد التفاوت بين الطلب والعرض في مجال البنى التحتية بسبب وجود النازحين السوريين، بينما تدهورت أوضاع البنى التحتية أيضاً.

هذا ليس المؤتمر الدولي الاول الذي يعقد لدعم لبنان اقتصادياً ومالياً للتغلب على أزمته وإعادة إنعاش قطاعاته. ومن هنا لا بد من أن نعيد إلى الواجهة نتائج مؤتمرات باريس1 و 2 و 3 والتعهدات المالية التي أقرت فيها من قبل المجتمع الدولي، بالاضافة إلى الإصلاحات التي تعهد لبنان بها خلال هذين المؤتمرين، ولم تبصر العديد منها النور حتى يومنها هذا.

"باريس 1 " (27 شباط 2001)

بعد تأليفها في تشرين الثاني 2000 انصرفت حكومة الرئيس الشهيد رفيق الحريري إلى العمل لإعادة إحياء الحركة الاقتصادية عبر استكمال برنامج الإصلاحات السياسية والإدارية والاقتصادية والمالية والاجتماعية التي كان قد بدأها الرئيس الحريري في الحكومات الثلاث التي ألّفها منذ نهاية العام 1992 وحتى نهاية العام 1998. وانطلقت الحكومة يومها للعمل على إعادة إنعاش الاقتصاد الذي دخل مرحلة ركود بين عامي 1999 و 2000، رغم كل المحاولات التي قامت بها حكومة الرئيس سليم الحص لضبط العجز في الموازنة وخفض الدين العام عبر خفض العجز في الميزان التجاري. في العام 2000 دخل الاقتصاد اللبناني في حالة من الانكماش على صعيد حركتي الاستثمار والاستهلاك، ما أثّر على الحركة الاقتصادية وعلى الواردات المحققة في المالية العامة. وأمام هذا التراجع في الأداء الاقتصادي، زاد العجز المالي وارتفع الدين العام إلى 151% من حجم الناتج المحلي نهاية العام 2000. وبعد تأليف حكومة الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وضع برنامج إصلاحي يرتكز على تحفيز القطاع الخاص ليكون المحرك الأساسي للنمو، وتعزيز المؤشرات المالية ووضع حد لتزايد الدين العام مع الحفاظ على الاستقرار النقدي وضبط نسب التضخم. ومن هنا بادرت الحكومة إلى طرح فكرة عقد اجتماع دولي لدعم لبنان اقتصادياً ومالياً، فاستجاب المجتمع الدولي والهئيات المانحة وعقد مؤتمر باريس "1"، في 27 شباط 2001 في قصر الإليزيه برعاية الرئيس الفرنسي جاك شيراك، وحضور: رئيس البنك الدولي، رئيس المفوضية الأوروبية، نائب رئيس البنك الأوروبي للاستثمار ووزير المال الفرنسي. يومها، حمل الوفد اللبناني إلى هذا المؤتمر ما عرف بـ"الاستراتيجية الاقتصادية الجديدة للحكومة اللبنانية". نتج عن هذا المؤتمر تعهد المجتمع الدولي بتقديم 500 مليون أورو على شكل مساعدات وقروض ميسرة للبنان وكمساعدة أولية، واتفقوا على أن يتم تنظيم مؤتمر آخر موسّع بمشاركة المفوضية الأوروبية والمؤسسات المالية الدولية وبمشاركة عدد من الدول المانحة وهو المؤتمر الذي عرف بمؤتمر باريس 2 الذي عقد في 23 تشرين الثاني 2002.



مؤشرات اقتصادية خلال هذه الفترة:

- تراجع معدل النمو الاقتصادي في العام 1999 إلى 1- %

- سجّل النمو الاقتصادي نسبة ضعيفة جداً لم تتخطَّ 1.2% تقريباً

- سجّل ميزان المدفوعات عجزاً بقيمة 289 مليون دولار عام 2000

- تراجع احتياطات العملات الأجنبية لدى مصرف لبنان إلى 5.7 مليارات دولار( أدنى مستوى منذ 1996).

- إرتفاع العجز العام نهاية العام 2000 إلى 23% من الناتج المحلي

- نهاية العام 2000 بلغ الدين العام اللبناني 151% من الناتج المحلي

- نسبة كلفة خدمة الدين العام من مجموع الإيرادات 89% نهاية عام 2000

خلال مؤتمر باريس 1، قدمت الحكومة اللبنانية مذكّرة عرضت رؤية الحكومة الاقتصادية بشكل متكامل. وتمحورت هذه الاستراتيجية حول 5 عناصر إصلاحية: (كما نقلت في المذكرة)

- تحديث الاقتصاد: لتسهيل وتشجيع التجارة الدولية في سياق دمج لبنان في الاقتصاد العالمي، ما يخوّله الولوج إلى أسواق عالمية جديدة وخلق الأطر المناسبة لاجتذاب الاستثمارات. بالاضافة إلى توفير البيئة الملائمة التي تسمح للقطاع الخاص بالنمو والازدهار والنهوض بالاقتصاد الوطني من خلال المحافظة على الاستقرار التشريعي واحترام كافة تعهداته والتزاماته، وتقديم التخفيزات للقطاع الخاص عبر تخفيض تكاليف الإنتاج.

- الخصخصة: الهدف من هذا الإصلاح هو تعزيز النمو الاقتصادي وعكس اتجاه دينامية الدين. فعملية الخصخصة ستتم باستخدام أفضل الممارسات والمعايير الدولية بما يضمن المنافسة المفتوحة والمشاركة العادلة لعامة المواطنين.

- تصحيح الوضع المالي: وضعت الحكومة خطة استراتيجية لمعالجة الاختلالات المالية، وبدأت تنفيذها قبل ثلاثة أشهر، من خلال تدابير ثلاثة:

تحسين وضعية الاقتصاد الحقيقي لزيادة نموه، وهو ما يؤدي بالتالي إلى أن تتحسن مردودات العائدات الحكومية ما يخفض الدعم الحكومي لبعض القطاعات وهكذا يخفّض العجز المالي.

اعتماد مجموعة من الإصلاحات الهيكلية والتدابير التي تعود على الدولة بالإيرادات كي يرتفع معدل الإيرادات إلى الناتج المحلي الإجمالي.

ترشيد النفقات واحتواؤها من خلال ضبط الإنفاق والعجز في الموازنة واعتماد الخصخصة لتحسين مستويات أداء وفعالية تلك المؤسسات التي يمكن تخصيصها، ما يسهم في خفض خدمة الدين العام. ونتيجة لذلك تتوقع الحكومة أن ينخفض معدل العجز إلى الناتج المحلي الإجمالي تدريجياً على المدى المتوسط، ما يقلل بالتالي حاجة الدولة إلى التمويل. وبهذا تستقر نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي بما يسهم أيضاً في خفض معدلات الفائدة.

- إدارة الدين: إن ارتفاع أسعار الفائدة قد أعاقت جهود الحكومات المتعاقبة لتطبيق سياسة مالية حازمة وخفض عجز الموازنة. حقاً، فنسبة خدمة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي قد زادت بشكل كبير على مرّ العقد المنصرم، وهذه أحد الأسباب الأساسية الصعبة التي تواجهها الحكومة اللبنانية في جهودها الرامية إلى خرق دوامة العجز المتزايد والديون المتراكمة. في هذا الصدد، فإن هدف الحكومة هو إدارة نظام الدين بكفاءة أفضل عبر تخفيض خدمة الدين العام والحد على المدى البعيد من تزايد حاجة الدولة إلى المتطلبات المالية مع العمل على أن تكون سياسة إدارة الدين في تناغم مع السياسة النقدية للبنك المركزي.

- الحفاظ على استقرار القطاع المالي والنقدي: تعكف الحكومة على تنفيذ الإصلاحات المالية الرامية إلى تعزيز الإطار التنظيمي للنظام المالي من أجل ضمان اتساقه مع المعايير الدولية ومع أفضل الممارسات. كما ستتخذ الحكومة تدابير عدة من أجل تحفيز أنشطة أسواق رؤوس الأموال. وبالرغم من أن استراتيجية الدولة كانت واسعة، إلا أنها أظهرت تركيز الحكومة على الأمور الصحيحة كما مهدت الطريق لخطة أشمل جرى العمل على اعتمادها لاحقاً من مؤتمر باريس 2.

يومها اعتبر المجتمعون أن برنامج الخصخصة وخفض العجز في الموازنة والإمساك بالإنفاق (أي ترشيده) وإجراءات تشجيع المستثمرين الاجانب وخفض الحواجز الجمركية ومحاربة تبييض الأموال، ستسمح للبنان باستعادة النمو. وإن التوقيع المرتقب لاتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي سوف يكمل هذه الإجراءات ويعطي لبنان من جديد دوره كمركز مالي واقتصادي إقليمي. وحيا المشاركون إرادة الحكومة اللبنانية في مواصلة تنفيذ برنامجها الهادف إلى السماح للاقتصاد باستعادة ديناميته.



"باريس 2" : (باريس - 27 شباط 2001)

كما حدد خلال انعقاد مؤتمر باريس 1 في العاصمة الفرنسية يوم 27 شباط 2001، عقد مؤتمر باريس 2 في 23 تشرين الثاني 2002، بحضور الرئيس الفرنسي جاك شيراك والرئيس الشهيد رفيق الحريري، بالاضافة إلى المفوضية الأوروبية والمؤسسات المالية الدولية وبمشاركة كبيرة من الدول المانحة. يومها قدم لبنان ايضا خطة إستراتيجية لدعم القطاعات وتحسين اوضاعها الاقتصادية والمالية، وفي ما يخص الاصلاحات التي قدمها، فلم تكن مختلفة عما حمله معه على طاولة "باريس 1".

حصل لبنان خلال مؤتمر باريس 2 على وعود مالية بقيمة 4.4 مليارات دولار منها 3.1 مليارات دولار تمثل قروضا وتسهيلات و1.3 مليار دولار من أجل تنفيذ مشروعات إنمائية. لكن المبالغ التي حصل عليها لبنان بالفعل من باريس 2 بلغت 2.6 ملياري دولار على شكل تسهيلات مالية و1.3 مليار دولار قروضاً. (سندات خزينة وودائع بقيمة 3.1 مليار دولار و1.3 مليار قروضاً). يومها، تم استخدام القروض في استبدال دين مرتفع الكلفة بدين منخفض الكلفة، كما كانت التسهيلات المقدمة من باريس 2 لمدة عشر سنوات في الوقت الذي بلغت فيه كلفة هذه التسهيلات 5%، وبالمقارنة فقد كانت الكلفة المتوسطة للدين العام في نهاية 2002 نحو 13%. وللتكذير، خلال نهاية العام 2002 وصل الدين العام اللبناني إلى ما يقارب 30 مليار دولار. ورغم ما تعهد به خلال باريس 2، لم يتمكن لبنان من استكمال برنامجه الإصلاحي سواء بالنسبة للإصلاحات الضريبية أو بالنسبة للمالية العامة للدولة أو الخصخصة بعد باريس 2.

المانحون وحجم الاموال في باريس 2:

المملكة العربية السعودية تصدرت قائمة الداعمين (700 مليون دولار) تلتها فرنسا (500 مليون دولار) فالصندوق العربي للتنمية (500 مليون دولار) والبنك الأوروبي للاستثمار (350 مليون دولار)، في حين قدمت كل من دولة الامارات والكويت وماليزيا وكندا 300 مليون دولار، وكل من قطر وايطاليا والبحرين 200 مليون دولار، وقدم صندوق النقد العربي 100 مليون دولار، واليابان 100 مليون دولار، وسلطنة عمان 50 مليون دولار، وبلجيكا 70 مليون دولار. ووعدت الولايات المتحدة والمانيا والدنمارك واسبانيا وبريطانيا بأن تكون لها مساهماتها بعد حصول تفاهم بين لبنان وصندوق النقد الدولي.

Maurice.matta@annahar.com

Twitter: @mauricematta


Digital solutions by