Digital solutions by

"استدرتُ لألمس خيالي فترمّلت": رنيم ضاهر في عجائبية بلاد الشِّعر

2 نيسان 2018 | 12:11

المصدر: "النهار"

الشاعرة رنيم ضاهر ("فايسبوك").

ثمة شيء ما يجتذبنا إلى لوحة أو قصيدة أو منحوتة من غير أن نستطيع تفسير سبب الانجذاب، لكنّ المتعة الفطرية التي تتأتى من هذه الرؤية قد تُغني عن هذا الإدراك، وهي أشبه بمتعة خروج أرنب من قبعة ساحر، وهذا ما تُخلّفه نصوص رنيم ضاهر. الفهم، إذاً، ليس دائماً المَرام، ولا سيما في الشعر، إذ إنّ مكمن الأمر هو في العملية الشعرية أو المعاينة الشعرية والانجذاب والدهشة والرؤيا. 

في "استدرت لألمس خيالي فترمّلت" (دار النهضة العربية، 2017) تصطحبنا رنيم ضاهر في عالم سحري سوريالي تتنازعه الرغباتُ والأحلامُ المكنونةُ والهواجسُ المُقنَّعة بالغرابة والفانتازيا والانزياحية. وإذ بي وأنا أقرأُ نصوصها، أتساءل عمَا حدا رنيم أن تنخرط أولاً في الكتابة، وثانياً في هذه اللغة اللامألوفة. أيُعقل أنها أُصيبت بالملل وسئمت رتابة حياتها بعدما تأخّرت عنها كثيراً (واقعها، ناسها، جدواها)، فتبِعت أرنب خيالها لتجد نفسها في قاعة الشعر الرّحِبة. والشِّعر، وإن بدا عالماً مفتوحاً على المطلق واللانهائي، غير أن أبوابه مغلقة ولا إمكان لدخوله إلا عبر نفقٍ طويلٍ ومظلمٍ وضيق جداً اجتيازُه محفوفٌ بالحُفر والفِخاخ والأشباح. ومولود رنيم ضاهر الشعري غرائبي تلدُه رغباتٌ وشهوات دفينة في لاوعيها: "أخشى أن ألد كائناً غريب الأفكار/ أفطمه بقسوة/ معززة علاقة الحبال الواهية بالوهم/ كم المياه بعيدة ونزقة/ لحظة اللاوعي". وقد يكون هذا المولود ليس وليدَ قرار أو إرادة بل نتاج ميكانيزم أو قوانين الطبيعة "لم أقرّر أن أنجب/ إنه تأثير المطر/ والصرخة التي ترغب بالخيانة". لكنّها تصرّ أن تعلّمه الغرق المُجنّح المُنتشي فرادةً "سأعلّم ابنتي الغرق/ القفز من السفن الغائمة/ التي لا تتوقف/ إلا لتتزود بالقات".

نشعر أن نصوص رنيم ضاهر تنبني على فجوات أي مسافة التوتر بين بنيتها السطحية وبنيتها العميقة (والتعبير لكمال أبو ديب)، وهو ما يُشعر القارئ بصعوبة ما يقرأ وغموضه وإبهامه وعدم تكشّف المعنى إلا بعد قراءات عدة، هذا إن تكشّف له، مثل: "سأستعين بمعزوفة كلاسيكية/ لسدّ الفراغ/ بين قدمي وخيالك". ولا يُسعف حضور الشاعرة المكثّف عبر الأنا المُتكلم في جلي هذا الغموض لكون نصّها يُبتنى بين الوعي واللاواعي، بين التصريح والتضمين، بين العياني والمجرّد. وهذه الثنائية، أو الازدواجية، لا تنفصل عن شخصية الشاعرة وواقعها نتيجة قيود عدة مما يدعها في حال من التشوّش والتناقض وحتى الكبت والذّهان وهي تتبدى في الآتي: "أعضائي عينات ذهانية/ تجمّعَت عشوائياً/ في جرن مياه/ فلم يعد التخاطر يعني شيئاً/ قبل نهاية الأسبوع"، لتعود وتقول: "أعضائي آلهة صغيرة، حين أحاول جمعها/ تخرج المرآة عن طورها". إذاً، ثمة معارك ضمنية وصراعات خفية تخاض في عتمة النفس وفي ما وراء الكلمات تصل ارتداداتها وذبذباتها للقارئ "لعتمتي سرداب جانبي/ قدم كرسيّ... وأشياء أخرى/ كمسمار أو مطرقة/ يتشاجران في قصيدة نثر"، وحتى ثمة خشية من عدم تحقق المأمول واهتزاز الثقة وجسامة الخيبة وموت الحلم في شرنقته "ماذا أفعل بالروائية/ تسرد خطواتي بعين واحدة/ أخشى أن أشتمها في السوق/ فتتأكد أن دودة القز ليست حائكة/ بل فيلسوفة رخوة"، وهذا يُفضي إلى الانزواء والعيش بالظلّ بعدما ترمّلت الأماني وبعُدت وصار الأمر دوراناً في حلقة مفرغة "استدرت لألمس خيالي فترمّلت".  

في بلاد رنيم ضاهر الشعرية لا تدرك أيّ مبلغٍ ستبلغ بك عجائبها وغرائبها ولا تدري إلى أي الأمكنة سيحملك مخيالُها. لا تقف رنيم في كتاباتها عند خاطر اللغة والقارئ بل تترك العنان لخيالها وللاواعيها لخطّ مفرداتها مغمضةً عينيها لمسحوق الجنيّات السحري.

لا توقظوا رنيم من حلمها الجميل في بلاد الشعر... فالمغامرةُ لم تنتهِ بعد!

charbel.abimansour@annahar.com.lb

Twitter: @abimansourc

Digital solutions by