Digital solutions by

40 سنة من التضحيات والتحديات... "اليونيفيل" تتمسك بدور صانع السلام

17 آذار 2018 | 13:58

المصدر: "النهار"

هليكوبتر لليونيفيل تعود من مهمة في الناقورة.(مروان عساف)


بقبعاتهم الزرق وآلياتهم البيض، يزرع أفراد قوة الامم المتحدة الموقتة في لبنان "اليونيفيل" منذ أربعين سنة الأمل في منطقة سلخت طويلاً عن بقية الوطن، وعاشت أكثر من عقدين تحت رحمة اسرائيل. في الشكل يبدون غرباء عن منطقة أكثر سكانها من المحليين، يتحدثون لغاتهم الخاصة ويمارسون طقوسهم، ولكنهم عملياً ينشطون كخلايا نحل كأنهم أهل تلك القرى والبلدات، للحفاظ على استقرار المنطقة التي شهدت ثلاث غزوات اسرائيلية منذ 1978، ويزرعون طرقها الساكنة طمأنينة وسلاماً.

شكل الاجتماع الوزاري لمجموعة الدعم للبنان في روما، تظاهرة دولية لدعم القوات المسلحة اللبنانية، والتزم فيه لبنان في المقابل مناقشة استراتيجيا دفاعية لتمكين هذه القوات من الحفاظ على الأمن والاستقرار"، إضافة إلى التزامه إرسال مزيد من جنود الجيش اللبناني إلى الجنوب، وتأكيده "نيته نشر فوج نموذجي فيه". 

وقد لخص الامين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس الوضع بقوله إن بسط سلطة الدولة من خلال تولي الجيش اللبناني تدريجياً السيطرة الفعالة والمستدامة على منطقة عمليات "اليونيفيل" في جنوب لبنان، هو المفتاح لتحقيق الأهداف الأساسية لقرار مجلس الأمن 1701 .

فبعد 40 سنة على انشاء قوة حفظ السلام للبنان، الواضح أن لبنان لا يزال بحاجة اليها. فبتعبير رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري، لا تزال اسرائيل الخطر الاكبر الذي يهدد البلاد.  وعلى رغم قوله أن الحدود الجنوبية للبنان هي الأكثر هدوءاً في المنطقة، اتجهت الانظار مجدداً الى هناك مع تجدد طبول الحرب أخيراً منذ اسقاط مقاتلة "أف 16" اسرائيلية في سوريا، والاتهامات الاسرائيلية المتكررة بمصانع أسلحة لإيران في لبنان، فضلاً عن التهديدات الاسرائيلية للبنان على خلفية النزاع الحدودي البحري، والجدار الذي تبنيه اسرائيل جنوب الخط الازرق. ومع عودة التوتر الخطابي أقله، تعود "اليونيفيل" لتنشط بين الجانبين، إذ تكثفت اجتماعات اللجنة الثلاثية أخيراً ويتحرك قائد القوة الدولية الجنرال مايكل بيري بين تل أبيب وبيروت والناقورة، في سماع مكوكية لتبديد التوتر ومنعه من التطور الى مواجهة قد يضع القوة الدولية مجدداً بين نارين.  

بدأت قصة لبنان مع "اليونيفيل" مطلع السبعينيات من القرن الماضي، عندما تكثّفت العمليات الفلسطينية ضد اسرائيل عبر الحدود والاعتداءات الاسرائيلية على القواعد الفلسطينية في لبنان. وشكل الهجوم الذي شنته مجموعة فلسطينية في 11 آذار 1978 قرب تل أبيب ذريعة لاجتياح اسرائيلي ليل 14- 15 آذار 1978 وصل إلى عمق يقارب 40 كيلومتراً من خطوط الهدنة الدولية.

وكتب العميد المتقاعد أنطوان نجيم في مجلة "الجيش" عام 2007 أن اسرائيل تريد كانت تسهيل إرسال قوات تابعة للأمم المتحدة إلى جنوب لبنان. فمن أجل منع المقاتلين الفلسطينيين من التسلل إلى الجنوب يجب أن ينتشر رجال القبعات الزرق على طول نهر الليطاني، الامر الذي يقضي أولاً بأن يقوم جنودها باحتلال الساحة.



وغداة الاجتياح، طلب كل من لبنان واسرائيل اجتماعاً لمجلس الأمن الذي انعقد في اليوم ذاته. وجاءت الاشارة الأولى إلى احتمال إرسال قوات دولية إلى جنوب لبنان في تصريح مندوب لبنان لدى الامم المتحدة غسان تويني أمام مجلس الأمن.

في 19 آذار 1978، تبنى مجلس الامن القرارين 425 (1978)، و426 (1978) اللذين أقرا انسحاب القوات الاسرائيلية من لبنان، وانشاء القوة الدولية الموقتة للبنان من الدول الاعضاء في منظمة الأمم المتحدة.

أوكلت الى القوة مهمتين واضحتين، الأولى تأكيد انسحاب القوات الاسرائيلية من جنوب لبنان والثانية إعادة السلم والأمن الدوليين ومساعدة حكومة لبنان على بسط سلطتها الفعلية في المنطقة.

كانت الكتيبة الفرنسية من طلائع قوة اليونيفيل التي وصلت الى لبنان بعد أربعة أيام من تبني القرارين الدوليين اللذين حددا عديد القوة بستة الاف عنصر، بما فيها وحدات العمليات والوحدات اللوجستية.



وتسلمت "اليونيفيل" مناطق انسحبت منها اسرائيل في الجنوب، بينما سلّمت الدولة العبرية الأراضي المحاذية لحدودها إلى ما كان يعرف ب"جيش لبنان الجنوبي".

وقبل الغزة الاسرائيلي الثاني للبنان عام 1982، كانت تسجل تحرشات شبه يومية بين "اليونيفل" و"جيش لبنان الجنوبي" وأسفرت عن مقتل العديد من الجنود، وصل عددهم حتى نيسان 1981 إلى 71 جندياً من جنسيات عدة.

بين 1978 و2018، تبدل شكل "اليونيفيل" كثيراً ولكن مهمتها بقيت هي نفسها. ومع تجدد القتال عام 2006 بين اسرائيل و"حزب الله" عام 2006، زاد مجلس الامن حجم "اليونيفيل" الى أكثر من 13 الف عنصر.





حاليا، تعد اليونيفيل، نحو 10500 عنصر . آلياتها التي كانت متواضعة جداً صارت أكثر تطوراً ومقرها العام الذي كان في الناقورة ولا يزال، توسع كثيراً.

 ساعات قليلة أمضيناها في الناقورة كانت كافية لرصد حركة لا تتوقف للقوة الدولية: دوريات ليلية ونهارية، راجلة ومؤللة على طول الخط الازرق وفي منطقة العمليات. هليكوبتر تقلع من مهبط الناقورة متجهة في مهمة وأخرى تعود من مهمة أخرى. مهمات تبدأ بمراقبة نقل اسلحة والخط الأزرق ولا تنتهي بتفكيك ذخائر غير منفجرة وقنابل عنقودية.



 لطالما كان التنوع السمة المميزة لقوات اليونيفيل. 10500 عنصر، بينهم 4 في المئة من النساء، يتحدرون من 41 دولة تركوا بلدانهم وعائلاتهم وأتوا الى هنا لحفظ سلام في بقعة تمتد على مساحة 10 في المئة من لبنان شهدت احتلالاً وحرماناً طويلين. في المقر العام لقيادة اليونيفيل في الناقورة وجوه من كل الالوان، صفر وبيض وسود، رجال ونساء يتحدثون كل اللغات. قبعات رزق وآليات بيض عليها شارات الامم المتحدة ومعها الامل في مناطق بقيت منسية لفترة طويلة.

شكلت "اليونيفيل" حافزاً لعائلات كثيرة للبقاء في قراها وبلداتها التي انقطعت طويلاً عن بقية الوطن، و ساهمت في توفير دعم اقتصادي للمجتمعات الجنوبية.

وتشارك في القوة حالياً قوات من أرمينيا (33 ) والنمسا (86) وبنغلادش (116) وبيلاروسيا (5) والبرازيل (208) وبروناي (4) وكمبوديا (185) والصين (418) وكولومبيا(1) وقبرص (2) والسلفادور (52) وإستونيا (38) وفيجي (147) وفنلندا (299) وفرنسا (661) وألمانيا (126) وغانا (870) وأندونيسيا (1290) وايرلندا (377) وايطاليا (1077) وكينيا (1) ومقدونيا (1) وماليزيا (829) ونيبال (877) ونيجيريا(1) وقطر (2) وصربيا (177) وسيراليون(3) وسلوفينيا (17) وكوريا الجنوبية (331) واسبانيا (632) وسيريلانكا (331) وتنزانيا (159) وتركيا (87).

ويشرح الناطق باسم "اليونيفيل" أندريا تينيتي أن أفراد القوة يتغيرون مرة كل ستة أشهر، وبعض الكتائب مرة كل سنة. ويشرح أن حياتهم صعبة عموماً، إذ اضافة الى أنهم تركوا عائلاتهم وبلدانهم، فانهم يمضون معظم أوقاتهم داخل قواعدهم، ولا يخرجون الا ضمن مهماتهم للقيام بالدوريات المؤللة أو الراجلة. وعندما تسنح لهم فرصة الخروج في إجازة يذهبون للتسوق في صور أو في القرى، حيث "من المهم أن نوفر الدعم الاقتصادي للمجتمعات المحلية".



ولا يقتصر نشاط القوة على السهر على البر اللبناني ورصد الانتهكات الاسرائيلية المتكررة للأجواء، إذ أنشئت في تشرين الاول 2006 قوة بحرية بناء على طلب من الحكومة اللبنانية، ومهمتها منع دخول السلاح غير الشرعي عبر البحر الى لبنان. وفي اطار تفويضها، حولت القبعات الزرق نحو 12 ألف سفينة الى البحرية اللبنانية للتفتيش.

وكما تبين التقارير التي ترفع الى الامين العام في ما يتعلق بتنفيذ القرار 1701، يقول تينيتي إن اليونيفيل لم ترصد دخول سلاح الى المياه اللبنانية ولا الى جنوب لبنان، مكرراً أن الوضع في منطقة عمليات "اليونيفل" البالغة مساحتها 1060 كيلومتراً كان في السنوات ال12 الاخيرة الاكثر هدوءا في تاريخ تلك المنطقة.

من دون اليونيفيل...

 يقول العميد المتقاعد شربل أبي خليل، قائد قطاع جنوب الليطاني بين 2013 و2016، أنه من دون قوة "اليونيفيل" كان يمكن أن تتفاقم أحداث عدة في المنطقة وتتطور الى اشتباكات أو حروب موضعية.


كانت مهمتها الاساسية خفض التوتر ومنع الاحتكاك وعدم السماح بتفاقم المشاكل والاضطلاع بدور الوساطة بين الفريقين اللبناني والاسرائيلي، وطلب اجتماع طارئ للجنة الثلاثية عند الضرورة. وهي تعمل بالتنسيق مع مراقبين من مجموعة مراقبة الهدنة، البعثة العسكرية غير المسلحة الموجودة في لبنان منذ 1949، والتي تعتبر جزءاً من منظمة مراقبة الهدنة.

نتيجة تنسيقه مع القوة، يؤكد العميد المتقاعد أن اليونيفيل لم تكن تحل شيئاً بالقوة. ولكن للأمانة كانت تحضر بسرعة عند حصول مشكلة على الارض. ولكن هذا لا ينفي أن اسرائيل كانت تتجاهل أي دور لليونيفيل، وكانت تطلب من القوة التزام ثكناتها اذا ارادت القصف.

بين اليونيفيل والجيش اللبناني تعاون الى أبعد الحدود يشمل، الى المهمات العملانية، مساعدة القرى وازالة الالغام وترسيم الخط الازرق. ويؤكد أن ثمة تنسيقاً كبيراً بين الجانبين هما يقومان أيضاً بمناورات عسكرية مشتركة، وأنشطة تدريبية وتبادل خبرات بينهما.



والواضح أن هذا التعاون الوثيق بين "اليونيفيل" والقوات المسلحة اللبنانية شكل مفتاحاً لتنفيذ قرار مجلس الأمن 1701 ، الهادف الى ضمان بيئة سليمة وآمنة في جنوب لبنان، و"إنشاء منطقة بين الخط الأزرق ونهر الليطاني خالية من أي أفراد مسلحين وموجودات وأسلحة غير تلك التابعة لحكومة لبنان واليونيفيل".

على مدى العقود الأربعة التي أمضتها القوة في لبنان، خسرت 312 عنصراً. وكان لايرلندا الحصة الكبرى من الضحايا.

 ولكن على رغم التضحيات، لم تسلم "اليونيفيل" من انتقادات هنا وهناك. واتهمت المندوية الاميركية نيكي هايلي في آب الماضي القوة بالتساهل مع "الإرهابيين" واتهمت قائد القوة الايرلندي مايكل بيري بأنه يتغاضى عن نشاطات "حزب الله" في جنوب لبنان.

 ومنذ 2006، سعت اسرائيل ومعها أميركا الى تغيير مهمة القوة بحجة عدم التزامها المهام المطلوبة منها، وغض الطرف عن نشاط "حزب الله" . وقبل التجديد الاخيرة للمهمة خلال الصيف الماضي، قدّم السفير الإسرائيلي في الأمم المتحدة داني دانون، سلسلة من المطالب الإسرائيلية، بتغيير صلاحيات ومهام القوات الدولية، لجهة تكليفها بمهام وصلاحيات أوسع.

ومارست الولايات المتحدة بدورها ضغوطاً من أجل تعديل المهمة.

وادعى السفير الاسرائيلي داني دانون بأنّ "حزب الله يخرق قرارات مجلس الأمن الدولي بشكل دائم، ويستخدم بيوت المدنيين كقواعد عسكرية، وبالتالي لا يمكن للأمم المتحدة أن تقف ساكنة إزاء هذا الخطر، وقد آن الأوان لأن تقوم قوات اليونيفيل بالدور المطلوب منها".



ومع ذلك، رفض مجلس الامن تعديل صلاحيات القوة التي بقيت مهمتها على حالها. فقوات حفظ السلام ليس مجهزة ولا مستعدة لخوض حروب. والدول ال41 التي أرسلت قواتها الى لبنان لم تفعل ذلك بنية اشراكها في معارك .

  ومجدداً، نشرت صحيفة "الشرق الأوسط" أمس أن الولايات المتحدة بدأت مشاورات مع بقية أعضاء مجلس الأمن بهدف استطلاع إمكانات إضافة مكافحة الإرهاب إلى مهمات "اليونيفيل" في ما يبدو أنه جهود من إدارة الرئيس دونالد ترمب لزيادة الضغوط على "حزب الله"، حتى على الأراضي اللبنانية.


Digital solutions by