Digital solutions by

يومية الوداع... مدخل إلى الروزنامة المؤجلة

4 آذار 2018 | 14:32

المصدر: "النهار"

الوداع (تعبيرية).

يوما ما سأتعلّم التلويح

كطفل يطلق طائرة ورقية

من شاهق عزلته البيضاء

لألوّح لكم

لألوّح للعالم

بيدٍ واحدة

بيدَي الاثنتين

بمنديل أبيض يمزق الحنين

بأناملي

المفرودة في مروحة الهواء

كورقة تينة خضراء حليبية

تشيِّع قريتي التي تتسلق حافية الهضبة

فقط عندما سيتوافر لدي يوما

ما أفتقده؛

أصيصَ زهورٍ من القُبل في الممر المتعجل للحياة

وطنا من القش المنثور تحت زيتونة أقدم منه بكثير

عصافيرَ مياومة تصرف لها الشجرة

بانتظام رواتبها الشهرية

قمحةً طموحة لا تأخذ إذنا من أحد

كي تتسلق الفراغ بجذورها البيضاء العارية

سأتعلم التلويح يوما ما

لألوِّح لكم

لألوِّح للعالم

أطول مدة ممكنة

من على ظهر سفينة

لا تبحر سوى في مياه الندم

العذبة النقية

لكن خوفاً من عدوى التصحر والجفاف

خوفا على الأغاني في الأوردة و الشرايين

نقعتُ يدي الخضراء الندية

في مزهرية أمي

في مواجهة المنديل الخفّاق

على الحبل أربعة فصول من السنة

في شرفة بيتٍ هجره النزلاء

متعجلين الموتَ في كندا

فيما يتعجل سكان غابات القيقب

الموت في العالم الجديد

سكان العالم الجديد يهزؤون بالجاذبية

جميع ركاب الطائرة الفاخرة

من الموتى الذين يشدون

على جثامينهم بإحكام

أحزمة السلامة

ممتنين لشركة الطيران

على خدمة

سياحة الموت الجديدة

للتعرف

على جزر توقفت عن التناسل

انكفأت إلى داخلها حلازين خائفة

منذ أمد بعيد

نحن الذين جئنا إلى كوكب الأرض

بالخطأ

نستعجل الرحيل قبل مجيئنا

بالمراوحة في الزوايا القائمة

لمساحة الألم المربعة

نبحثُ عن الزمن المفقود قبل الفقدان

نستدل على الفقدان بمشاهدة خيال الظل

على الستارة القمرية للمد والجزر

مقامرين كصيادين جائعين

بسمكة الحظ للنجاة

العالم أصدقائي

مرَّ سريعا من هنا قبل الآن

مرَّ سريعا و لم تحِن منه التفاتة

لم يترك سوى ظله الحجري على الأرض

العالم ذكرى مستعادة

تقابل شرارة تقرض غيابها

بأسنانها الجائعة

تقابل دمعة تستميت

لتقيس أضلاعها المثلثة

الحياة كذبة معذبة

كذبة الحطب المتماثلة للشفاء

في سرير المدفأة

ختْم سروالٍ قصير متحلل بالكامل

محفورٍ بعناية في أمومة التراب

للتذكير بالعاشقة الأولى

مضت إلى غير رجعة

سلالةٌ ما

سلالة مجهولة استوطنت هنا

عاشتْ حيواتنا الصغيرة

تسلّلتْ ديدانا إلى أعمارنا المقبلة

مضغتْ قلوبنا الفجة بأضراسها القوية

قبل أن تمجها الألسنة عاليا في الهواء

استنفذتْ تحويلاتنا العاطفية قبل أن نستلمها

لم يتبق لنا سوى تجريد الرياضيات المذهولة

الخرائط المفزوعة لحمير الزرد المصففة

على طول حريق الغدير المشتعل

فجأةً في قوائمها الهاربة

عنقُ الوداع الطويل الذي يجتهد للإمساك

في زرافة الغروب بالرأس القُبلة

مزهريةُ الغابة المرفوعة على قرني وعلٍ

يتودد إلى المعطف الشتوي للأنثى المواعدة

كتذكار حب خالد يتحدى طي البراري للورقة العاشقة

الحب لدى البشر أقسى التمارين على الإطلاق

لقياس منسوب العزلة المتفاقمة

هل يوجد بينكم أصدقائي الأوفياء

من بإمكانه إسداء معروف صغير

بملاحقتي و اضطهادي

في أزقة لا تتسع سوى لمارق وحيد

من الأفضل لو كان شاعرا

ليبادر إلى تمزيق حنجرتي المبحوحة

مفرغا إياها أمامي من السذاجة و التهويل

نازعا بأظافره الزقزقة عن الريش

تعبت من الصراخ في السراديب

تعبت من الكلام العاطفي

إنني أنزف من خاصرتي

خاصرتي اللغوية الرخوة

أنا طيب يا الله

أفسح للابتسامة المتمهلة

لتعبر في شارع الأمومة

أفسح لجدل البحر على النافذة

ليتسلق زرقة الأسئلة

أفسح للنحلة العاملة أن تتناول فطورها

من ملعقة سرقتْ عسلَها على المائدة

أنا لم أضع علامة حب مقضومة

على صورة شاعرة

أطيب وأغبى الخلق أنا

أنا أطيب الحملان في مزرعتك

فلماذا يلهو الذئب بتعذيبي ولا يأكلني؟

لماذا تحُول بيني وبين الذئب يا الله؟

لماذا تحُول بيني وبين قلبي يا الله؟

أنا لا أطلب سوى مغادرة طوعية

من غواية الشعر العربي

سأثأر من نفسي بارتشاف السم

حتى آخر قطرة متخمرة

في أبشع امرأة تحدرت من نسل

حواء اللعينة

سأقلّم بمقصات أظافري

أجنحة عصافير يدي الطائرة

سأقلع نهائيا عن تدخين قلبي

لفافات تبغ رديئة تعقبتها

حتى أعقابها المنتهية

منخرطا في أقرب نادٍ رياضي

لكمال الأبدان و الإنسان

لتربية عضلات الاستعارة الواهية

لا أتذكر سوى حمّام أمي المعدِّ سلفا كسفر

يبحر في منحدرات الجلد و تجاويف العظام

أتذكر هضابا منبسطة لصديقاتها المستحمات

بكسل في مساحات الضباب الساخنة

أتذكر ثرثرة عارية تتسلق عناقيدها

حثيثةً

أعمدة الضوء المشروخة

أتذكر عندما كانت الشفاه عذراء عارية

لتزهر المفردات طواعية على حافاتها

قبل أن تنبت لها أجفانا عدائية

لا أملك شرفة تطل على رصيف شغفي

لا أملك رفوف مكتبة تفهرس الأبدية

أو مكتبي الخشبي الذي حلمت به

أو لوازمي المدرسية التي لم أقتنها بعد

لا أملك سوى غرقٍ يفترش أحشائي

قلمَ رصاص يذرع حافيا قاع الورقة

أفسحوا لشبحي بينكم نملةً عملاقة

تكدح طول النهار

لتفريغ خراطيش السنبلة الهائلة

سنبلة الوجود المفرغة

فقط

لتستطيع حيازة حق العودة للمنملة

سأتفقّد في كل مكان متلهفا

سأتفقّد متلهفا في كل زمان

ما يُمكنه أن يتعجل باستحواذي

فقط

لأستعجل أن أفقده

لأستعجل التلويح أبعد فأبعد

مما تحتمل قامتي المشدودة

كصارية إلى شراع الجسد

طفلا يفرج عن طائرة محتجزة

في مطار عزلته الورقية

يدي من البدء تميمة معلقة للوداع

بانتظار يوم وشيك من الروزنامة المؤجلة.

Digital solutions by