Digital solutions by

انسحاب الصفدي... هروب من المجهول؟

3 آذار 2018 | 21:19

المصدر: "النهار"

جاء إعلان الوزير السابق محمد الصفدي اعتكافه عن الترشح للانتخابات النيابية نتيجة طبيعية لتطورات الوقائع ومسار الأمور، وللنتيجة أسباب كثيرة، وتطورات رافقت حياة الرجل السياسية منذ دخوله المعترك السياسي.

شكل محمد الصفدي وجها طرابلسياً مألوفاً كعائلة معروفة عمل أبناؤها في التجارة، وكان لهم موقع جلي في حركة العمل الاقتصادية، يوم لم تكن السوبرماركتات، ولا المولات قد بدأت تظهر، ويوم كانت المحلات التجارية التقليدية سائدة قبل سبعينات القرن الماضي، وكانت محلات الصفدي من المحلات الكبيرة، تبيع بالجملة والمفرق، مختلف أنواع البضائع، إن على ساحة التل، أم في سوق البازركان الداخلي، أم في باب التبانة.

جاء محمد الصفدي متنكباً إرثاً اقتصادياً عائلياً مقبولاً ومعروفاً من الجميع، يحمل معه ثروة كبيرة بناها في الخارج، بين المملكة العربية السعودية، ودول مختلفة من العالم، وطرح نفسه وجها قويا على السياسة الطرابلسية، متوازية مع حضور نجيب ميقاتي، المتمول الكبير، وابن العائلة الطرابلسية العريقة.

في حضور الاثنين على المقعد السني في المدينة، شكل الاثنان منافسة لبقية القوى، خصوصا للبيت الكرامي التقليدي، الذي احتل صدارة التطورات السياسية في المدينة منذ نشاة دولة لبنان الكبير، وتشكيل الكيان اللبناني سنة ١٩٤٣.

وعندما جاء تيار المستقبل، كاسحا الموقف الشعبي-السياسي، خصوصا بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، تنوعت الحياة في المدينة، وأصبحت متعددة الأقطاب، وكان محمد الصفدي أحد البارزين بينها.

حاول الصفدي التحالف مع ميقاتي في أكثر من موقع، ومعركة انتخابية، لكن الرجلين تحالفا على المقعد عينه كشخصيتين بارزتين مرشحتين لتولي منصب رئاسة الحكومة، وكان ذلك كافيا، وسط طموح الرجلين للمنصب، أن يتنافسا في التحالف، ليخلق التنافس نوعا من النفور بين الطرفين، فيما أسماه أحد المقربين من الصفدي أن "الكيمياء بين الرجلين لم تكن مؤاتية".

ويوم تبوأ ميقاتي رئاسة الحكومة قبل الأخيرة، أعطيت طرابلس خمسة مناصب وزارية، وأعطي الصفدي منصب وزارة المال. لا يعرف المقربون من الصفدي اسباب عرقلة العديد من مشاريعه في وزارة المال، لكن الرجل خرج من الحكومة بعد استقالتها، خالي الوفاض، وكأنه لم يكن وزيرا، ولم يحتل منصبا حكوميا هاما بحجم وزارة سيادية، على ما يقول المصدر عينه، مضيفا أن "الحركة السياسية للوزير الصفدي تأثرت سلبا بانتمائها إلى كتلة وزارية كبيرة، لكنها لم تقدم أي أمر للمدينة،ولم تطور في حياتها السياسية، والانمائية، وكان ذلك من العوامل التي وسعت المسافة بين ميقاتي والصفدي الذي أنحى باللائمة على رئيس الحكومة آنذاك، أي ميقاتي- بعرقلة حركته بهدف حرق ورقته، وإضعافه منافسا له على المنصب النيابي أم الوزاري ام رئاسة الحكومة”.

ويعتبر المصدر أن الصفدي قدم الكثير من المشاريع التنموية لمدينته، إن في الأسواق الداخلية، أم في الخارج، كالمركز الزراعي في العبدة، كما قدم المساعدات العينية للمحتاجين، وشكل ذلك له أرضية اجتماعية وشعبية هامة مكنته من الحصول على أعلى الأرقام في مختلف المعارك الانتخابية، فاقت ما حصل عليه الباقون، ومنهم ميقاتي.

وبالنسبة لتيار المستقبل، حاول الصفدي الاحتفاظ بشخصية سياسية مستقلة، رغم انه انضم إلى كتلة الرابع عشر من آذار بعد عام ٢٠٠٥، وما تلته من تطورات. وظل على علاقة طيبة مع التيار، لكنه لم يتحالف معه.

وباقتراب المعركة الانتخابية الحالية ٢٠١٨، كانت الجرة شبه منكسرة بين الصفدي وميقاتي، حليف أول الطريق، وتموضع الصفدي في نقطة تقاطع بين تيار المستقبل ورئاسة الحكومة من جهة، ورئاسة الجمهورية، من جهة ثانية. وتسربت معلومات من مصادر مختلفة أن الصفدي سيكون حليف المستقبل، وسينزل إما شخصيا، أو ممثلا بعقيلته السيدة فيوليت، على لائحة المستقبل. وقد أكد النائب المستقبلي السابق الدكتور مصطفى علوش هذه الكلام في مقابلة الأسبوع المنصرم مع "النهار"، حيث قال إن "الاسمين الوحيدين الثابتين على لائحة المستقبل هما الوزير السابق سمير الجسر، والوزير السابق محمد الصفدي".

كذلك أثيرت في مختلف وسائل الإعلام مسألة ترشح عقيلته فيوليت عن المقعد الأرثوذكسي في طرابلس، في حال قرر أن لا يخوض المعركة شخصيا.  

ويأتي إعلان انسحاب الصفدي من المعركة الانتخابية ليفاجيء الجميع. بدأت صور مجسمة له تعلق في الشوارع، وتحدث تيار المستقبل عن تحالفهما، وتسربت معلومات عن تحريك ماكينته الانتخابية تحضيرا للمعركة، مع العلم أن ماكينة الصفدي الانتخابية تعتبر من اهم الماكينات، وكانت تعرف توجهات المعركة قبل حصولها، وتصدر النتائج التي كانت متقاربة جدا مع النتائج النهائية التي كانت تعلنها السلطات الرسمية.

الماكينة الانتخابية المحترفة ربما كانت وراء إعلان انسحاب الصفدي من المعركة، بحسب المصدر. فعلاوة على تطورها، وقدرتها على تلمس نبض الشارع، كلف الصفدي مراكز أبحاث خبيرة لدراسة الواقع الطرابلسي، ووضعية الصفدي الانتخابية- الشعبية، في ظل القانون الجديد الغامض، والمربك، ووضعت أمام أعينه احتمالات المعركة، واحتمالات نتائجها.

 نتائج البحث لا يبدو أنها كانت في صالح الرجل في ظل الصوت التفضيلي حيث لم تجرب المعركة على هذا الأساس سابقا، وليس ما يضمن وصول الرجل بعدد أصوات كبير يحفظ ماء الوجه كما في المعارك الماضية. لعبة جديدة، لا تعرف تقنياتها، وربما كانت غريبة على ماكينته التي لم تستطع بلورة آليات تحرك كما في السابق.

 وفي ظل التحالف مع تيار المستقبل، لم يكن يشك بنية التيار في تحالفهما، بحسب المصدر الذي أضاف: "لكن القانون يضع الحلفاء بمواجهة اقسى من مواجهة الخصوم. فلم يكن ممكنا أن يتحالف مع تيار قوي بحجم تيار المستقبل، وينخرط في معركة بمواجهة الأقوياء المستقبليين في اللائحة، مما يرجح أن يخرج منها ضعيفا، او مهزوما، والحالتين لا تحمد عقباها عليه".

 بذلك، كان على الصفدي، إذا أراد الفوز في المعركة، أن يشكل لائحته الخاصة، وفي ظل ابتعاده عن تيار المستقبل، وتنافره مع ميقاتي وكرامي وآخرين، ربما وجد ان التحدي كبير، وليس ما يضمن الفوز، وإذا حصل فوز ما للائحته المفترضة، فسيكون فوزا هزيلا باقتصاره على فوزه الشخصي ليس إلا.

 لم يكن الصفدي بوارد تشكيل لائحة مستقلة كانت ستكلفه الأموال الطائلة التي تفوق قيمتها نتائج المعركة بكثير، مهما كانت النتائج إيجابية، أي وصوله منفردا من لائحته.

 أما بالتساؤل عن انسحابه، وانسحاب أي مرشح من طرفه، وتحديدا سيدته فيوليت، فقد تلمس الصفدي تعبئة في الشارع ضد ترشح سيدة من خارج المدينة، أمر من السهل التعبئة ضده، من المسيحيين قبل أن يكون من المسلمين الذين قد لا ينزعجون من ترشحها في ربوعهم، خصوصا بعد أن أصبحت طرابلسية بحكم زواجها منه. لكن المؤشرات لخوضها المعركة لم تكن هي مشجعة أيضا، وبذلك، كان أمام الرجل حل وحيد هو الانسحاب الكامل من المعركة.

 وحفاظا على مصداقيته، أعلن دعمه لحليفه الأخير تيار المستقبل، واضعا ماكينته الانتخابية بتصرف التيار، كأنه بذلك يعد العدة للمشاركة في مواجهة طرابلسية، جنبا إلى جنب مع تيار المستقبل، بمواجهة خصمهما المشترك نجيب ميقاتي.

Digital solutions by