Digital solutions by

من سلة غذاء إلى قمل وجرذان... الغوطة بين نار الأسد وبطش الفصائل

24 شباط 2018 | 18:35

المصدر: "النهار"

في عيني عضو مجلس الشعب السوري نبيل صالح، ليس أهل #الغوطة الا "قملاً وجرذاناً"، وما الصور التي تنقلها كاميرات الناشطين لجثث الضحايا تحت الأنقاض وصراخ النسوة في عتمة الأقبية الا فبركات. أما مشاهد المجازر التي يرتكبها قصف النظام وغاراته في حق المدنيين فليست الا صوراً لضحايا فلسطينيين نشرت على أنها في الغوطة.

قبل صالح وأشباهه، تغنى الكثيرون بالغوطة التي أحاطت #بدمشق من الشرق والغرب والجنوب . فلطاما اشتهرت الشام بغوطتها الخضراء التي كان يحيط بها حزام أخضر من أشجار اللوز والمشمش والجوز وغيرها من البساتين الخضراء. وقد أعجب الكثير من الشخصيات التاريخية بها في زياراتهم لدمشق، ومنهم الخليفة العباسي المأمون الذي نظر إلى أشجارها ونباتها فأقسم أنها خير مغنى على وجه الأرض. 



ومع أنها شهدت منذ تسعينات القرن الماضي توسعاً عمرانياً وإقبالا كبيرا من المستثمرين السوريين والعرب على إشادة المطاعم الضخمة والمنتجعات السياحية الحديثة فيها ، بقيت المنطقة سلة غذاء دمشق مع اخصب الأراضي وأجمل المناظر الطبيعية، قبل أن تحاصر قوات النظام شطرها الشرقي منذ ربيع 2013.

وتحصي التقديرات الاخيرة للأمم المتحدة سكان الغوطة حالياً بـ393 الف نسمة. ويقول كبير المسؤولين الدوليين في سوريا علي الزعتري إن 272،500 من السكان يحتاجون الى مساعدة انسانية. ويعتبر ثلث سكان الغوطة الشرقية من النازحين، بينهم هاربون من دمشق. ومع أن مصادر أخرى قد تقدم أرقاماً مختلفة، تبقى الامم المتحدة المصدر الاكثر صدقية في هذه الحرب.

 وتكتسب المنطقة أهمية للحكومة السورية كونها تشكل الضواحي الشرقية للعاصمة. والمنطقة واسعة ومحصنة جداً، ويعتبر وسط دمشق في مرمى صواريخ الهاون للفصائل المسلحة فيها ، الامر الذي أربك معسكر الاسد منذ سنوات.

 منذ بدء الحصار، صارت مغادرة الغوطة شبه مستحيلة لغالبية السكان، مع بعض الاستثناءات. ويعتقد أن عدداً صغيراً من السكان، بينهم موظفون في القطاع العام، يسمح لهم بالخروج من معبر الوافدين، قرب دوما، الذي يخضع لاشراف مشترك، الا أنه معبر خطير بسبب الألغام الأرضية ورصاص القناصة والسلوك العدواني وغير المتوقع لكل من قوات النظام والفصائل المسلحة.



 وفي الفترة الاخيرة، ألقت السلطات السورية مناشير في أجواء الغوطة الشرقية تطلب من المواطنين المغادرة ، علماً أنها كانت رفضت السماح لبعضهم بالخروج.

  وقبل فترة، حاولت الامم المتحدة طوال ثمانية أشهر اجلاء 500 مريض وجريح من الغوطة الشرقية، بينهم أولاد، الا أن الحكومة رفضت، ما أدى الى وفاة 22 منهم حتى الان.

وفي المقابل، سمحت السلطات السورية بإخراج مجموعة صغيرة من 35 مريضاً في كانون الاول، بموجب اتفاق تبادل شمل اطلاق الفصائل المعارضة معتقلين، في انتهاك جديد للقانون الانساني الذي يحظر استخدام المدنيين وأسرى الحرب كورقة مقايضة.

وفي اي حال، ليس خروج المدنيين أو المسلحين آمناً، فالمعارضون منهم يواجهون الاعتقال على ايدي قوات الاسد، وأولئك الذين لا يؤيدون أي معسكر في الحرب يخشون أن ينتهي بهم الامر مجبرين على الالتحاق بالجيش السوري.

ولا تقتصر معاناة المدنيين في الغوطة على القصف الذي يتعرضون له من قوات النظام أو الحصار المفروض عليهم، وإنما تقيد فصائل المعارضة تحركاتهم ايضاً. وأوردت منظمة العفو الدولية أن "جيش الاسلام" الذي يسيطر على الجانب المعارض لممر الوافدين، لا يسمح الا لمدنيين معينين بالخروج، وأنه أوقف مرات أشخاصاً حاولوا المغادرة.

ووفقاً لمبادرة "ريتش" المدعومة من الامم المتحدة والتي تضع تقارير عن العمل الانساني، منعت فصائل المعارضة نساء وأولاداً ورجالاً هم بعمر يسمح لهم بالقتال، من المغادرة، وهو ما يشتت عائلات تمكن بعض افرادها من الحصول على إذن بالمرور.

  المواد الغذائية 

ونجحت الغوطة الشرقية في الصمود أكثر من غيرها على الرغم من الحصار بسبب اكتفائها الغذائي الذاتي الى حد كبير، ولكن الامور بدأت تتفاقم أخيراً في ظل تكثيف القصف والقتال وسوء ادارة الفصائل المقاتلة.


محاصيل الغوطة.(تويتر)


وأحياناً كان يسمح لقوافل الامم المتحدة والهلال الاحمر العربي السوري بالدخول لتجنب المجاعة، ولكن تلك الاذونات بقيت نادرة وغير منتظمة. 

 وشكا مسؤولو إغاثة مراراً من منعهم من توزيع الكميات الضرورية من المواد الغذائية، وأن الحاجات الطبية غالباً ما ترد في اعقابها، أو تصادر على الحواجز الحكومية.

  فمن خلال حجب المساعدات الانسانية، ساهمت الحكومة في رفع الاسعار وزادت ارباح رجال الاعمال المرتبطين بالحكومة والذين يحتكرون التجارة على معبر الوافدين، ربما في مقابل دفع جزء من الارباح لرجال النظام. ولم تستثن بعض فصائل المعارضة من هذه الصفقات، فاستفاد قادة من الجانبين من فرض "خوات" على المواد الغذائية على حساب المدنيين.

بين 2014 و2017، نشط التهريب عبر الانفاق، وشمل بضائع محظورة عبر معبر الوافدين، بينها اسلحة وذخائر، وايضاً مواد غذائية وأدوية ووقود ضروري للمولدات الكهربائية ومضخات المياه وبنى تحتية اساسية أخرى. ولكن الجيش السوري سيطر على تلك الانفاق في ربيع 2017. ومذذاك، قلصت مشاكل الاقتصاد والبنى التحتية المتراكمة قدرة المنطقة على مواجهة الحرمان.

وعندما بدأت روسيا ترعى اتفاقات "خفض التصعيد" في مناطق عدة بسوريا، انتعشت الامال بتحسين ظروف ادخال المساعدات الانسانية الى الجيب المحاصر، وخصوصاً بعد توقيع فصائل المعارضة اتفاقاً في هذا الشأن في أواخر الصيف. ومع ذلك، راحت قوات النظام تشدد حصارها. وفي ايلول، منعت الحكومة مرور المواد الغذائية عبر معبر الوافدين، ولم تسمح بدخول الا عدد محدود من قوافل المساعدات الدولية، ما أثار أزمة صحية كبيرة.


قافلة مساعدات إنسانية تدخل الغوطة.(أرشيف)

  وأشار برنامج الغذاء العالمي الى أن الاسعار في المنطقة ازدادت 140 في المئة منذ اقفال معبر الوافدين، وصارت اليوم ستة أضعاف من معدلاتها في سوريا. وبحسب مبادرة "ريتش" يبلغ سعر ربطة الخبز في دمشق 94 قرشاً، في مقابل، 1500 ليرة سورية في الغوطة الشرقية.

  وحتى قبل تفاقم الازمة الاخيرة، وصف مسؤولون انسانيون مستويات سوء التغذية في الغوطة الشرقية بأنها الأسوأ التي تسجل في الحرب السورية. ففي دراسة للأمم المتحدة مؤرخة في تشرين الثاني 2017 أن 11،9 في المئة من الاولاد دون سن الخامسة يعانون سوء تغذية، و36 في المئة يعانون توقفاً في النمو.

 ورأى باولو بينيرو، رئيس اللجنة الدولية المستقلة للتحقيق في الجمهورية العربية السورية أن منع الحكومة المساعدات الغذائية يرتقي الى مستوى "مجاعة متعمدة للسكان المدنيين".

"جيش الاسلام" و"فيلق الرحمن"

والى الحصار النظامي، يعاني أهالي الغوطة بطش الفصائل المعارضة المتنافسة. ويقول أرون لوند أن فريقين متنافسين يرتبطان بعلاقة عدائية وتاريخ من الاقتتال الداخلي طويلة يسيطران على المنطقة. 

 ويسيطر "جيش الاسلام" السلفي على مدينة دوما في شمال الغوطة الشرقية والاجزاء الشرقية من الجيب، بينما يتحكم "فيلق الرحمن" الذي تربطه بعض الصلات بـ"الأخوان المسلمين" بجنوب غرب المنطقة.



 ويبسط كل من الفصيلين سلطته بقبضة من حديد، ويطبقان قوانين الشريعة ويقمعان خصومهما الذين يظهرون تعاطفاً مع النظام أو مع خصومهما المحليين.

 وثمة فصيلان إسلاميان أصغر منحازان بطريقة أو بأخرى الى "فيلق الرحمن" بسبب تاريخ مشترك لهما من النزاع مع "جيش الاسلام".

 وفي شمال غرب الغوطة الشرقية، يدير ضاحية حرستا فرع محلي من "أحرار الشام"، وهو فصيل سلفي يتمتع بنفوذ كبير في شمال سوريا.

 وتتمتع "هيئة تحرير الشام" المرتبطة بـ"القاعدة" بوجود في الغوطة الشرقية. ومع أنها الفصيل الاقوى في شمال سوريا، يبدو فرعها في الغوطة صغيراً مقارنة بـ"جيش الاسلام" أو "فيلق الرحمن"، وهي تتحرك في مناطق نفوذ "الفيلق" بعدما تعرضت لحملة عنيفة من "جيش الاسلام" العام الماضي.

وينفي "فيلق الرحمن" اي تحالف مع "تحرير الشام". مع ذلك، ثمة من يرى مؤشرات عقد دفاعي بين الجماعتين في مواجهة "جيش الاسلام".

الغارات

منذ عطلة نهاية الاسبوع الماضي، بلغت الغارات على الغوطة الشرقية مستويات لا سابق لها، وأدت الى مقتل المئات، في الوقت الذي قتل فيه نحو 13 شخصاً في قذائف الهاون التي اطلقها مسلحو الفصائل على دمشق. وفي ظل حديث عن هجوم كبير تعد له القوات السورية الاسبوع المقبل، ودعوات المجلس المحلي لدوما الى حماية دولية ضد "حملة ابادة"، لا يرى لوند حلاً تفاوضياً قريباً لما يحصل في الغوطة.

ويقول ل"النهار" :"لا شك في أن نوعاً من الحل التفاوضي يخفف العنف هو الحل الانسب للمدنيين، وخصوصاً اذا ترافق مع اشراف دولي على حمايته من الانتهاكات"، ولكن حلاً كهذا يصعب التوصل اليه، ولم يعد ثمة حل يرضي الجانبين.

آثار القصف على الغوطة.(أف ب)



بات المقاتلون في رأيه محاصرين داخل الجيب، وسلاحهم ينفذ، وهم سيخسرون المعركة على الارجح. أما سؤاله فهو كيف ستتعامل الفصائل مع الامر، نظراً الى مصالحها ومصالح المدنيين، ولكن أيضاً الى أين مدى تبدو الحكومة منفتحة على التسويات.

وحتى الان، يقول لوند، ثمة مفاوضات تحت الطاولة على ما يبدو ـ ولكن التكتيكات العسكرية وحشية جداً، وخصوصاً مع منع دخول المواد الغذائية والمساعدات .

في تقديره، ثمة خطر في أن ينتهي الامر الى معركة طويلة على غرار ما حصل في حلب مع تدمير المنازل وقتل الناس، قبل أن تضطر الفصائل الى عقد اتفاق كان يمكن ابرامه منذ البداية وتجنب كل هذه الخسائر.

ولا شك في أن ما يحصل في الامم المتحدة سيكون مؤشرا، إذ انه نظريا قد يؤثر على مستوى الانخراط الروسي، وربما تأخير هجوم أو تغيير الوضع السياسي.

 كان وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف واضحا في قوله الاسبوع الماضي إن الاتفاق الذي أمكن التوصل اليه في حلب والذي أخرج بموجبه المسلحون من المدينة، يمكن اعتماده في الغوطة الشرقية. وفي حينه شمل الاتفاق اخراج نحو 30 الف مدني كانوا في المدينة لم تعطَ غالبيتهم على ما يبدو الحق في الاختيار بين البقاء أو الخروج. ولاحقاً، وصفت لجنة تحقيق تابعة للأمم المتحدة ما حصل بأنه "تهجير قسري" الامر الذي يعتبر جريمة حرب.

ومع أن الغوطة الشرقية تعتبر ساقطة عسكرياً منذ فترة ومصيرها بات محسوماً أكثر، لا تزال ثمة طرق عسكرية وسياسية عدة الى خط النهاية، بعضها قصير وبعضها طويل وبعضها أقل ضرراً للمدنيين من طرق أخرى.


Digital solutions by