Digital solutions by

معمل الذوق الحراري ينفث دخاناً أسود وأمراضاً... والشركة: "مطابقون للمواصفات"!

27 حزيران 2018 | 16:26

دخان معمل الزوق الحرراري في صورتين نشرهما النائب شوقي الكاش.

"منطقة منكوبة". "أمراض ربو وجلدية، حساسية، ووفيات بسبب السرطان"...سكان في منطقة الزوق يعانون الأمرين منذ عقود. الوضع لم يتغيّر كثيراً بالنسبة للكثيرين، رغم الوعود. الغازات المنبعثة من معمل الكهرباء في المنطقة لا تزال هاجسهم الأول. تقارير رفعوها للوزارات المعنية، ووزعوا عشرات العرائض من دون جدوى. ومع ذلك، تؤكد مؤسسة كهرباء لبنان أن المعمل مطابق للمعايير البيئية والصحية.

شهادات من المنطقة توّثق المأساة. وصرخات تنقلها "النهار" على لسان سكان تراجعت حالتهم الصحية خلال عقود. الأزمة مستمرة، ولم تصدق وعود وزراء متعاقبين ومدراء عامين، لأن الوضع الصحي والبيئي من سيئ إلى أسوأ.

منذ العام 1983 بدأ معمل توليد الكهرباء في الزوق يتوسع توازياً مع متطلبات إنتاج الكهرباء. ومعه انطلق بث المواد السامة. تحركات عديدة نفذها الأهالي والبلديات رفضاً للسموم المنطلقة من المعمل. مرت سنوات طويلة على أول اعتراض، وعشرات البيانات والعرائض من قبل الأهالي نظمت، كان آخرها عام 2015. وعلى الرغم من مرور عقود على هذه الأزمة، إلا أنها ما زالت قائمة. ومن تظاهر في العام 1983، عاد أولاده اليوم للتحرك رفضاً للغازات المنبعثة من المعمل، وكأن المشكلة يتوارثها السكان من دون حلول مباشرة من قبل الدولة. وما وُعد به السكان من وزراء حكومة أمين الجميل آنذاك، يتكرر منذ سنوات طويلة. 

في تحقيق خاص لـ"النهار" يعود إلى تشرين الثاني من العام 1994 عن معمل الزوق تحت عنوان: الحياة باتت جحيماَ، سعال، ربو، وشبح السرطان يدق الأبواب. كانت صرخة الأهالي بضرورة توقف معمل الموت. شهادات رفعها المواطنون خوفاً من أمراض السرطان. أما اليوم فالتحقيق نفسه والشهادات نفسها، ولكن بأسماء أخرى. فالسيدة ليليان كرم عانت في 1994 من حساسية في الجلد وشرحت عن كابوس المعمل في حياتها اليومية. والسيد شربل حشاش صاحب محل تصليح سيارات، يعاني اليوم من أمراض في الرئة، فيما والدته توفيت بمرض السرطان. ناهيك عن عشرات الإصابات والأمراض لأصدقاء وأقارب حسب تعبيره.


شهادات

يشرح شربل عن الجحيم التي عانته والدته من السرطان، فالمرض أكل جسدها النحيف. وبحسب الأطباء، فإن "الهواء الملوث منذ عقود هو سبب رئيسي للوفاة". وبالتوجه إلى السكان كانت المشكلة نفسها والصرخة أقوى "شبعنا موت". "نحن نعيش في منطقة منكوبة"، كما يصفها رئيس بلدية الزوق الياس بعينو "نحن على خلاف دائم مع المعمل. تظاهرنا عشرات المرات وقُدمت لنا وعود. وقطع الأهالي الطرق في السنوات الماضية. ولكن المأساة بقيت كما هي. وسنبقى على هذه الحال رغم تكرار الصرخات ووجع الأهالي".

بعض الأطباء فضّل عدم كشف اسمه تجنباً للمشاكل، قالوا إن أمراض الصدر في ارتفاع مستمر، بالاضافة الى امراض الربو والسرطان والقلب نتيجة تنشق السكان المواد السامة منذ سنوات طويلة. وشرح الطبيب الياس بعينو أن "المشكلة الاساسية التي تواجه المنطقة هي المواد غير المرئية التي تخرج من دواخين المعمل كالجزيئات الصلبة او SO2 والـ NOX والتي تؤثر على مناعة الجسم"k مضيفاً أن "لدى معظم السكان قريباً مصاباً بالسرطان أو بالربو...النسبة مرتفعة جداً والموت يدق أبواب الجميع". وفي حال حلت المشكلة اليوم قبل الغد، فـ"الأمراض ستستمر في الظهور، لأن الجسم قد تنشق ما يكفي من مواد سامة ستقتله بسهولة".

بدوره، يقول رئيس البلدية السابق المحامي نهاد نوفل أن "لا احصائيات دقيقة عن ارتفاع نسبة الأمراض، ولكن عدداً كبيراً من الأهالي أصيبَ بالحساسية والربو والأمراض الجلدية، كباراً وأطفالاً. كذلك أصيبوا بأمراض العيون، عدا عن الوفيات بأمراض السرطان والتي تعتبر مرتفعة بشكل مضاعف عن باقي المناطق. بالإضافة الى الأضرار المادية في أثاث المنازل والملابس و"بويا" السيارات. هناك كارثة عمرُها سنوات ولا تنتهي بين ليلة وضحاها. وكل ما نطلبه كمواطنين في هذه المنطقة حقنا بالحياة النظيفة عبر مقاومة سموم دواخين معمل الكهرباء باعتمادها وسيلة بسيطة وممكنة، ولو غير شافية، تقضي ببث "الأوكسيجين" من الاف الأشجار والأزهار التي زرعت في زوق مكايل. أما المطلب الأساسي، فمعملٌ مطابق للمواصفات العالمية وإن بمبالغ مضاعفة، فصحتنا أهم من أموالهم".

اتفاق سابق 

في 11 آذار 2016 تمّ التوصل إلى تسوية بتعاون وزير الطاقة السابق ارتيور نظاريان ورئيس اتحاد بلديات كسروان-الفتوح نهاد نوفل ومدير عام مؤسسة كهرباء لبنان كمال حايك، قضت برسم خريطة طرق للمعمل تضمنت نقاطاً عديدة أهمها المعالجة الكيميائية الفورية للفيول أويل لتخفيض الانبعاثات الملوثة. وعلى المدى المتوسط: تأمين مجلس الوزراء الموارد المالية لتجديد وحدات الانتاج وتحديثها.

أما على المدى البعيد، البحث في إمكانية إنشاء محطة عائمة للغاز السائل fsru قبالة معمل الذوق لتشغيل المعمل الجديد على الغاز الطبيعي الأكثر ملاءمة بيئياً، وذلك بالتزامن مع إنشاء المحطتين المماثلتين في دير عمار والزهراني اللتين يتم دراسة إقامتهما قبالة المعملين، في حال الحفاظ على المعمل الحالي والابقاء عليه كاحتياط استراتيجي، وتشغيله عند الضرورة بعد انشاء المعامل الجديدة.

وبعد سنوات من توقيع التسوية نفذ بعض بنودها والبعض الآخر بالطبع بقي في أدراج النسيان.

رد مؤسسة كهرباء لبنان

شركة كهرباء لبنان رأت أن مشكلة الغازات المنبعثة والدخان الأسود لا يمكن التخلص منها في الوقت الحالي، ولكن نسبتها قد انخفضت بشكل كبير جداً قياساً إلى السنوات السابقة، وبدلاً من انتشار الدخان الأسود طوال اليوم، أصبحنا أمام تكوّن الدخان في توقيت محدد عند التشغيل.

وشرح رئيس معمل الزوق المهندس سعادة الحداد أن نسبة الانبعاثات ليست بحاجة إلى التخفيض وهي مطابقة للمواصفات البيئية بحسب تقرير الشركة الاستشارية AF CONSULT والتي كشفت في مطلع العام الحالي على المعمل وخلصت الى أن نسبة nox يجب أن تكون تحت الألف فيما الرقم هو 500.

نسبة pm او الجزيئات الصلبة يجب أن تكون 130، وفي معمل الزوق هي الآن 75 والأمر نفسه للـ SO2 فهي ايضاً منخفضة.

ورأى سعادة أن تأهيل المعمل هو في أدراج مجلس الوزراء، والمعمل يقوم بمعالجة "المرج" الأول وسيتم تأهيل المرج الثالث في بداية العام 2019.

واعتبر المهندس ايلي سعادة رئيس لجنة الاستلام في مؤسسة كهرباء لبنان أن ضخ المواد الكيميائية منذ العام 2012 خفف من نسبة الانبعاثات المسمة في الهواء ويعمل على استبدال الحراقات في المعمل.

وشرح المهندسان أن السبب الرئيسي للدخان المتصاعد هو عملية حرق الفيول وعمر الماكينات المشغلة للمعمل والتي تحتاج إلى الصيانة واستبدالها بأخرى، نافياً أن يكون المعمل بوضعه الحالي يتسبب بأمراض مسرطنة. فالتقارير الدولية والمحلية تشير الى أن المعمل أصبح مطابقاً للمواصفات البيئية.

تلك المواصفات لا يقتنع بها سكان المنطقة. فالياس نوفل سائق اجرة اعتبر أنه منذ عقود والمشكلة نفسها. وقد تأقلم السكان مع الأزمة، وكأننا خلقنا لنتنشق تلك المواد السامة. الرأي نفسه ينقله صاحب أحد المطاعم في المنطقة قائلاً "كنت أضطر بشكل يومي لغسل اثاث المطعم نتيجة الدخان في المنطقة، ورغم أن حجم الدخان انخفض إلا أنه يسمع ليلاً أصوات انفجارات من المعمل لا نعرف سببها، وبعدها دخان أسود ينتشر في المنطقة ويختفي بعد دقائق".

وإلى حين بدء تشغيل المعمل على الغاز، سيبقى السكان يعانون، وستقوم البلدية كما في كل عهد بإجراء دراسات عن الأثر البيئي للمعمل.

اقرأ المزيد: كهرباء لبنان: الإضراب يُخفّض الإنتاج ويُعرقل التصليح والعمال يؤكدون استمرار تحركهم في الأسبوع المقبل




Digital solutions by