Digital solutions by

قدر "النهار" أن تبقى حبر النضال لبناء دولة

9 شباط 2018 | 14:37

المصدر: "النهار"

عندما حلمت بأن أكون صحافية كان الطموح والهدف "النهار". كنا ننظر إليها من بعيد كما عندما نتصفّحها من قريب. إنها أمبراطورية الإعلام التي لا يقوى عليها والٍ ولا حاكم. كانت هي الحاكم بأمر الحرية والسيادة والكرامة الوطنية: هي التي توجٌه السياسات وتراقب الحكومات وتشرّع الانتخابات وتنهى وتأمر وتحكم بالعدل، ليس لأنها جريدة بل لأنها "النهار"، ومعها يطلع كل نهار في بلد إن قلت عنه "لبنان" قلت معه "جريدة النهار". 

خمس وثمانون سنة عمرها. هي كبرت نعم، وبقيت تكبر وتكبر من جيل إلى جيل. ولكنها لم تصب بالشيخوخة، مثلها مثل ارزة أنبتها التاريخ كما الجغرافيا في لبنان.

لأنها "النهار" استُهدفت. حوصرت. ضُربت، وظَنّ أعداؤها انهم يقطعون رأسها باغتيال فارسها الشاب جبران التويني. وظنوا انهم بقتل جسده سيدفنونها معه، إلا أن عملاقها غسان التويني علمنا كيف ندفن الحقد ونزرع التسامح ونجابه رياح الشرّ المستطير، ولم يرخِ قبضته إلا بعد أن وضع أمانة الشهادة بين يدين امينتيْن.

وقفت "النهار" وتحدّت وأكملت المسيرة التي رسمها التويني الأب والابن، وفي وجدان كل من زرع في الجريدة كلمة، صدى قسم جبران الذي يجسّد لبنان الأسطورة.

جريدة لم تقوَ عليها الحرب ولا معاركها المتناسلة، ولم تسكتها وصاية، كيف يمكن أن تسقط في زمن السلم والجمهورية القوية؟ كيف تُترك لقدرها وهي التي يتمرى على صفحاتها اليومية الرؤساء والوزراء والنواب والمواطن الفقير قبل الغني؟ ذاكرة العهود والحكومات هل يمكن أن تترك لقدرها لتذبل؟ هل بتنا في زمن نمحو فيه ذاكرة كل شيء؟ هل يمكن لخضار العشب أن يغني عن أرزاتنا المعمّرة؟!

لا عجب في بلد ما زلنا نحلم فيه بصنع بلد. منذ خلقنا فيه وشعارنا "نريد صنع بلد". يرحل عهد ويأتي آخر، تذهب حكومة وتعقبها أخرى والشعار هو هو : "نريد أن نصنع بلداً". وما هو هذا البلد الذي نريد أن نصنعه؟ ألسنا في بلد لنحلم بصنع بلد؟ كيف يُدار هذا البلد؟ كيف نبني مؤسساته؟ اين دستوره؟ كيف يطبّق ومن يطبقه؟ أي تغيير نحلم بتحقيقه ونحن وُعدنا بانتخابات نيابية بعد تمديد لمرات ثلاث لمجلس يفترض أنه يمثل الشعب؟ وعدنا بقانون انتخاب على أساس نسبي يتمثل فيه الجميع، فإذا به قانون لَقيط هجين يكاد يكون مطعوناً بنتائجه قبل تطبيقه. قانون يساق فيه الناس بلوائح معلبة لا تعطيهم الا حق التأشير على مرشح طائفي. أخاف على "النهار"، على الجريدة في بلد لم يعرف أهله يوماً كيف يجعلون منه وطناً لا مزارع ولا إقطاعيات. أخاف على "النهار" أخاف على لبنان، لأنهما وجهان لعملة واحدة أصبحت نادرة في عصر محو التاريخ وتغيير الجغرافيا.

لا لهذه المؤامرة. معاً يمكن أن نقف في وجه الريح، فنثبت هوية "النهار"، ونعيد بناء مستقبلها لأننا بها وحدها يمكن أن نحلم ببناء وطن.


Digital solutions by