Digital solutions by

وهل تُصنَع الأوطان؟

9 شباط 2018 | 12:49

تتطلّب الصناعة مزيجاً من الخيال والجرأة والابتكار. صناعة الأوطان ليست ‏استثناء لهذه القاعدة. الأسطورة وإرادة العيش معاً ومأسسة الحكم هي انعكاس ‏اجتماعيّ للمزايا الثلاث. لكنْ ليس كلّ مجتمع وطناً. فالأخير هو صورة الأوّل ‏وغايته، بتعبير أرسطيّ. إنّ عبارة "صناعة وطن" هي غير تقليديّة لكنّها في الوقت ‏عينه طبيعيّة. إنّها استكمالٌ صريح للتدقيق في بعض الأقوال عبر التاريخ. ‏ 

‏"مصر هبة النيل". قالها المؤرّخ الإغريقي هيرودوت. إنّه تحجيم لجهدٍ حضاريّ ‏تاريخيّ وتعليبه في هبة، في منّة من النهر. لزم الأمر حوالى 2500 سنة لكي يعاد ‏التدقيق في المقولة. هذه المرّة، تبرّع مؤرّخ بريطانيّ بهذه المهمّة: أرنولد توينبي. ‏الحضارة تنشأ من حيث تحدّيها للبيئة الشاقّة المحيطة بها. يعطي مثلاً: نشأت ‏الحضارة الصينيّة في وادي النهر الأصفر الذي لم يكن صالحاً للملاحة بفعل ‏فيضاناته المدمّرة. هي لم تنشأ في وادي نهر اليانجتسي الأقلّ عنفاً. الحضارات ‏‏"تتوالد في البيئات التي تتّسم بالمشقّة غير العاديّة". الزلازل الطبيعيّة والسياسيّة ‏التي ضربت لبنان تاريخيّاً، أمكن أن تقضي على أيّ فكرة لوطن. لكنْ هناك شعب ‏استجاب للتحدّي. وإعلام أيضاً.‏

الأوطان كما الحضارات، ليست هبة. إنّها تحدّ. هل تدرك "النهار" حجمه؟ بالنسبة ‏إلى خلاصات توينبي، "كلّما عظم التحدّي اشتدّ الحافز". لذلك، لا تكتفي "النهار" ‏بإدراك حجم التحدّي بل تفرح به أيضاً. الأوطان ليست هبة. إنّها صناعة. صناعة ‏التحدّي نفسه.‏


Digital solutions by