Digital solutions by

بدّي وظيفة بالدولة!‏

9 شباط 2018 | 12:33

المصدر: "النهار"

كيف نصنع وطناً؟ سؤال صغير بعدد كلماته كبير بحجم الأهداف والأحلام التي ‏نطمح إليها لبناء وطن يحاكي طموحاتنا ويواكب قدرة أجيالنا الجديدة في الخلق ‏والإبداع. انطلاقاً من عملي في الصحافة، سأجيب. فغالباً ما وضعني عملي في ‏مواقف محرجة ومهينة أحياناً، منها تعرضي لمحاولات يطلق عليها البعض "الرشوة"، ‏فيما يضعها أصحاب "الرشى" في إطار "المكافأة العينية" لجهودي كتبرير يخفف من ‏وطأة "فعلتهم".‏ 

تجاربي هذه هي نسخة مصغرة ومشابهة لما يحصل في معظم دوائر الدولة، فالرشوة ‏كالطقوس المقدسة تجذرت في وجدان الموظف والمواطن على حد سواء، واقنعت ‏الجميع ان تنظيف الادارة "فالج لا تعالج". لذا لا عجب أن يعتبر غالبية اللبنانيين ‏الوظيفة العامة فرصة للثراء السريع والارتقاء الاجتماعي، وعقد الصفقات الخاصة... ‏ولسان حالهم يقول "نيالو موظف بالدولة... مظبط حالو"... لِم لا؟ ما دامت الدولة ‏بقرة حلوب لا يجف ضرعها، والقطاع العام مستباح للمحسوبيات والحزبيين وأزلام ‏زعماء الطوائف وقوى الأمر الواقع، يُعَيِنون في دوائره من يساعدهم – وأحياناً ‏يمولهم- في تمرير الخدمات الخاصة على حساب القانون والمصلحة العامة، ‏ويديرونه كيفما تقتضي مصالحهم السياسية والانتخابية على قاعدة "مرّقلي تا مرقلك" ‏من دون مساءلة أو محاسبة؟

كيف نصنع وطناً؟ الجواب ليس عند "ماكينزي" لتهدينا الى مسار الحل الذي نعرفه ‏جلياً... ولكننا كالنعامة ندفن رأسنا في التراب. ‏

الحل بكل بساطة في وصول رجال ونساء أكفياء الى مواقع السلطة بالانتخاب النزيه ‏لإدارة الدولة بمنطق وطني لا مصلحي.‏

الحل في تجريد السلطة التنفيذية من أي سلطة مباشرة على مؤسسات الخدمة ‏المدنية والتفتيش المركزي والقضاء لتحرير العاملين فيها، وتعزيز قوتهم بالقانون ‏وإبعاد شبح الكيدية والانتقام عنهم.‏

الحل في تعزيز ثقافة الضغط الإعلامي والشعبي حتى فرض الاستقالة على أي ‏مسؤول سياسي أو اداري يثبت عليه جرم الفساد.‏

الحل في مكننة مؤسسات الدولة وإدخال التكنولوجيا الحديثة الى كل مفاصلها لإلغاء ‏التماس المباشر بين المواطن والموظف، وتالياً إقفال أبواب الكسب عند إنجاز ‏المعاملات. ‏

والحل أيضاً عندنا نحن من يطلق علينا لقب "السلطة الرابعة"، إذ علينا أن نتحلى ‏بالموضوعية واحترام الحقيقة فلا نناصر فاسداً لأنه "من خطنا"، ولا نهاجم "الآدمي" ‏لأنه خصمنا بالسياسة.‏

الوطن: فكرة حضارية. الدولة: مؤسسات. السلطة: مسؤولون وقِيَم. وأقصى طموحي ‏اليوم وطن يشبه أقله دول العالم الثالث... لكن ما دمنا شعباً يغلّب مصلحة الزعيم ‏والطائفة على مصلحة وطنه، فإنه يصلح علينا قوله تعالى "إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ ‏حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ".‏

Salwa.baalbaki@annahar.com.lb


Digital solutions by