Digital solutions by

عام مضى وفي الذاكرة حنين إلى أنفاس ناي ووتر كمان عاشق... من قمم الموسيقى نعلو إلى الله لنغتسل ونتنقّى

مي منسى womansday

31 كانون الأول 2017 | 10:32

المصدر: "النهار"

كاظم الساهر في بيت الدين.

الصمت الآتي بعد الموسيقى، هو النفس الأخير الذي يبقى مرتبطاً بها بعد أن يعم السكون. مدوزناً على نبضات قلب مَن أحسن الإصغاء إليها. فحين انتهى كانون الأول 2017 ومعه سكتت آخر نغمة من مهرجان "بيروت تغني"، انطلق الخبر يشيّع من هنا وهناك، ما ستكون الموسيقى للعام 2018. مهلاً أيها الزمن المسرع. تعال نستعد معاً ذكريات، عشناها عام 2017 مع أرباب الموسيقى والغناء، الغربية والشرقية، ومع كل مهرجان، وفي أي بقعة من هذا الوطن، بات لربّة الموسيقى ركن تتآلف فيه مع طبيعة القرى والتلال، وتتلوّن بأخضره، كما أرسى فان غوغ ومونيه ومانيه، رؤاهم الإنطباعية من وحي المواسم والقطاف. هكذا الموسيقى، المتنوّعة بأساليبها ولغتها وعصورها وجغرافياتها، وجدت في تربة لبنان، خصوبتها وتجدّدها.  

بعلبك

صوت فيروز، هل تذكرون؟ إنطلق من معبد باخوس في منتصف الخمسينات، يشدو "لبنان يا أخضر حلو"، ولا يزال هذا الصوت الشجي، كلّما رجعنا إلى مهرجانات بعلبك، محفوراً في أعمدتها، يتلقّانا لدى وصولنا إلى الأسطورة البعلبكية، فتتوهّج ليالي الرحابنة المشعّة نجوماً في الذاكرة.

مرّ على بعلبك ستون عاماً ولا تزال مهرجاناتها في البال، بالرغم من الحرب التي سعت إلى قتل الذاكرة ولم تفلح. كان لا بد من ملهم، رؤيوي، مجبول بتراب بعلبك، لإعادة الميتولوجيا إلى هذا الصرح التاريخي. عبد الحليم كركلا، طال نجوم السماء، ومن زوغانها صنع حلمه الكبير.

مهرجانات بعلبك إحتفلت العام الماضي بيوبيلها الستين. فبفعل دينامية مجموعة من مثقفي هذا الوطن، ارتبطت المهرجانت البعلبكية بأرقى المستويات الفنيّة في العالم، من موريس بيجار إلى أم كلثوم، ومن الرحابنة إلى المغنين الأوبراليين العظام، ومن الموسيقى الكلاسيكية إلى الجاز، ومن الدراويش إلى الفلامنكو. ما من كائن مبدع حط على أرض القلعة، إلاّ بات عموداً من أعمدتها وإلهاً من آلهتها. إذا كنا لا نزال نتذكّر من العام 2016، "طريق الحرير" التحفة النادرة التي صاغتها عائلة كركلا، ففي مهرجانات 2017، وصل الآلاف من عشّاق الترومبيت، للاستماع إلى ابرهيم معلوف، هذا الواقف مع آلته السحرية بين شرق وغرب، يرتجل بألحانه لغة تتكوّم حولها جميع الشعوب. براعته في خلق نغم من وحي المشهد الموجود في إطاره، سمعناها ونحن نشاهد فيلم "في غابات سيبيريا". من وحي هذا الكفن الأبيض، صنع موسيقى كالصمت، تلقّيناها، وكهمسات الريح سمفونيتها.

نعود إلى بعلبك من العام 2017 والبرنامج أعلن مجيء انجليك كودجي إلى المهرجان. كيف، وفرقتها الموسيقية تندهها بالإيقاعات والغيتارات، اطلّت علينا؟ من معبد باخوس خرجت، تهتف للحب، للوحدة بين الشعوب. الغناء الأسود رسالتها من زمن العبودية، هو فعل نضال لأجل الحريّة والمساواة.

مهرجانت بعلبك على عهدها، لا تكتمل طقوسها الفنيّة إلاّ بالعرق الأسود، هذا العرق الذي أدمن خمرة باخوس، يَسكر منها ويُسكر القلعة التاريخية الواقفة في وجه الزمن، من صوت إيللا فيتزجيرالد وميريام ماكيبا ونينا سيمون إلى أنجيليك كودجي الحاملة في حنجرتها وطنا.

البستان

في هذه الإستذكارات، أخذنا من كل مهرجان نخبة من الفن الموسيقي والغنائي. فمهرجان البستان تمحور عام 2017 حول ملكات وأمبراطورات من الشرق. أجمل الأصوات الأوبرالية جسّدت أقدار شخصيات متوجّة، من سميراميس إلى زينوبيا، ومن كليوباترا إلى جوليا دمنا، حيث برعت سيدة المسرح ميراي معلوف في أداء هذه الشخصية الفريدة. بين ملكة وأمبراطورة، وبين سوبرانو وميزو، كانت لحظات موسيقية جمعت على خمسة اسابيع كبار العازفين امثال رينو كابيسون على الكمان وكاتيا بونياتيشفيللي على البيانو. إلى حين تأهّبنا لنصغي إلى أوبرا ميديا، أحيتها ثلاثة أصوات سوبرانو وصوت تينور بمشاركة الجوقة الوطنية السيبيرية.

بيت الدين 

قصر بيت الدين لم ينم على التاريخ. الأنوار أضاءت ليله على وقع مهرجانات، باتت حين يقبل حزيران من كل عام، وجه الشوف الضاحك. العام 2017 زفّ لمدمني بيت الدين برنامجاً، نخبوياً، منوّعا، بدأ بصوت عمر كمال هذا الملقّب بفرانك سيناترا العالم العربي. ومع جوردي سفال وفرقة هسبيرون القرن الحادي والعشرين، كانت موسيقى من العصور الوسطى وعصر النهضة وزمن الباروك مع هذ الكاتالوني الذي أخذنا خارج الزمن الحاضر.

لعل أكثر ما كان جمهور مهرجانات بيت الدين متشوّقاً لرؤيته، كان "باليه للحياة"، أداء باليه لوزان، استذكاراً لمبدعها، موريس بيجار. الإطار ساحر، إحتوى لغة بيجار الكوريغرافية على غير قاعدة، أكاديمية كما على خط تيرات نيو- كلاسيكية، حيث تمازجت في هذا الإحتفال بالحياة، الأنماط الموسيقية، الليريكية والمسرحية والكوريغرافية.

#كاظم_الساهر هو مسك الختام كما في كل عام يغني أجمل قصائد الحب لمدمني صوته.

بيبلوس

تبقى بيبلوس من المهرجانات التي يؤمها الآلاف من الشباب في إطار من التاريخ. على مسرح عائم في قلب المدينة القديمة، اعتاد المهرجان أن يخصص الجيل الصاعد بلقاءات ثقافية وفنيّة برؤى معاصرة وبأداء فرق موسيقية، تأتي لتؤدي فروض موسيقى البوب والروك والصول، ما يحرّك حميّة الشباب وحماستهم. برنامج عام 2017 أحاط عازف الكمان العالمي آرا ماليكيان بفرقة موسيقية تساوت إيقاعاً بأمواج البحر. كذلك عاد إلتون جون للمرة الثانية إلى لبنان، بدعوة من مهرجانات بيبلوس، الذي اختار لأمسيته المنتظرة من آلاف اللبنانيين، قاعة الفوروم البيروتية. وعلى ميناء بيبلوس الذي منه مضى الحرف إلى العالم، كانت حفلة إستذكارية للفنانين الكبيرين فيلمون وهبة ونصري شمس الدين. هكذا لبّت مهرجانات بيبلوس تشكيلة واسعة من الفنون بما فيها فولكلورنا اللبناني.

أعياد القرى والبلدات 

لا تكاد تلاويح فصل الصيف، تزف خبر موسم غنيّ بالسياحة في مختلف الأقضية، حتى تقرع في القرى اللبنانية من شمالها إلى جنوبها، أجراس المهرجانات. لكل بلدة فاكهتها وبرنامجها. ولكن ثمة قرى باتت معروفة بتقاليدها. فصورات البترونية اعتادت منذ سنوات طويلة، أن تدمج الفرق الموسيقية الكلاسيكية، الراقية، بوليمة تقليدية، من شغل نساء البلدة، بدءاً بالهريسة، الطبق اللذيذ الذي اشتهرت به صورات. أما غلبون المتعمشقة على تلة فوق عمشيت، فجعل منها رئيس بلديتها قرية نموذجية، تستضيف أرقى الفرق الموسيقية. وبقدر ما نتقدّم على خريطة لبنان، نسمع غناء وإيقاعاً متصلاً بعضه ببعض. وصولا إلى تنورين وإهدن والأرز.

كنيسة القديس يوسف

الموسيقى ليست محصورة بالمهرجانات. التألق بآيات النغم يتواصل على مدار السنة في المعهد الوطني للموسيقى. كنيسة القديس يوسف، تغدو مساء كل أسبوع، لقاء بين عشّاق الموسيقى والأوركسترا الفيلهارمونية الوطنية. أما الأوركسترا الشرق- عربية، ففي مسرح بيار أبو خاطر، لقاؤها مع عشّاق الموسيقى اللبنانية والعربية، حيث يأخذنا الحنين على أصوات متخصّصة بالموشّحات والفولكلور إلى الرحابنة وفيروز ومحمد عبد الوهاب.

بين الفينة والأخرى تدعونا الجامعة الأنطونية، إلى مواسم موسيقى الحجرة، حيث تستضيف مشاهير من العازفين الإيطاليين، ضمن أوركسترا مختصرة، فننهل بالسمع آيات من موسيقى الباروك والنهضة.

بيروت تغنّي 

2017، عام يبقى في الذاكرة، ككل الأعوام السابقة. "بيروت تغني" أصبح عنواناً، لبيروت لا تنام ولا تستريح. فالموسيقى والغناء ينضحان من كل مكان، الكنائس والقاعات والهواء الطلق. في هذا الشهر يشعر الإنسان بأن مدينته تعلو، لا بالرفاهية وحسب، بل وأيضاً بالثقافة وبإنماء الحياة الإجتماعية.

May.menassa@annahar.com.lb

 

Digital solutions by