Digital solutions by

الفنون التشكيلية 2017 كانت كريمةً عزيزةً متنوّعة ومتطلعة إلى الأفضل

29 كانون الأول 2017 | 18:57

المصدر: "النهار"

الفنون التشكيلية 2017.

كما في كل عام، نعمل على إلقاء نظرة إستعادية على ما جرى خلال سنة كاملة من نشاطات ذات علاقة بالفن التشكيلي، في محاولة لتقييم هذه المجريات، آخذين في الإعتبار أن العودة إلى كل التظاهرات الفنيّة أمر صعب، بل حتى مستحيل، علماً أن لكل منها مكانة معيّنة في هذا السياق، وهذه المكانة متراوحة في مستواها ودرجة تأثيرها. كما لا بد من الإشارة إلى أن تقييماً من هذا النوع، وهو أقرب إلى الإستعراض منه إلى الفعل النقدي، ذو صعوبة أخرى تتمثّل في محاولة ثانية لتوخّي الموضوعية، في الوقت التي يخضع الفن التشكيلي لأهواء ذاتية، أكان من حيث صناعته أم من حيث معالجة مسائله، إذ لسنا في صدد مسألة رياضية لا تحتمل سوى الصواب أو الخطأ.                       

في كل الأحوال، وكما هو معلوم، تتنازع تيارات عديدة ضمن مجال التشكيل، وهو نزاع لا يؤدّي حكماً إلى صدام بين الصانعين، بل نجد أنفسنا بين حالات تقبّل الآخر والتعاطي بسلاسة مع ما يقوم به من جهة، أو اللجوء إلى التقريظ والإنتقاد اللاذع من جهة أخرى، وهذا الأمر عائد إلى شخصيّة كل فنان وأهوائه، ومدى إقتناعه بأن هذه الأرض تتسّع للجميع، وبأن كل فعل فنّي لا بد أن يصبّ، ولو في جزء منه، في مصلحة الفن عموماً.  

"بيروت آرت فير"

هذا التنوّع الكبير لمسنا مفاعيله في التظاهرة التي تُعتبر الكبرى في هذا الحيّز، ونقصد "بيروت آرت فير"- الحدث الأبرز الذي يمكن من خلاله الإطلاع على إرهاصات الفن التشكيلي في بلدنا، ومقارنتها مع نتاج بلدان أخرى شاركت بدورها في هذا الحدث السنوي، الذي، وإن كان هدفه الأساسي تصريف الأعمال الفنية ضمن سياسة السوق السائدة، فقد مكّن الجمهور من الاطّلاع على أعمال مختلف التوجهات والمشارب والنزعات، بدءاً من الأعمال الفنيّة التصويرية، مروراً بالنحت، ووصولاً إلى فنون التجهيز على أنواعها.

إذا كان من ملاحظة، تبعاً لما سبق ذكره، فهي أن "اللوحة" لم تفقد مكانتها حتى الآن، من خلال "صراعها" مع أنواع الفنون الما بعد حداثية، التي وإن أصبحت سمة من سمات التعبير في الزمن الحالي، فستبقى لها خصوصياتها التي لا تتناسب مع كل الأذواق من ناحية، كما لا تتوافق مع كل الأمكنة من ناحية أخرى. فالعمل الفني مرتبط أبداً بالمكان المادي، ولا وجود له من دونه، هذا إذا لم يُفهم اللامكان على أساس عدم إرتباطه ببقعة جغرافية دون سواها.

ظاهرة معارض "اللوحة"

وإذا حدنا عن "بيروت آرت فير"، فسنجد أن إعتماد اللوحة نهجاً تعبيرياً قد وجد مفاعيله من خلال معارض عدّة شاهدناها خلال العام الذي نودّعه، كما، على سبيل المثل، لدى إدغار مازيغي، ورافي يداليان، وجويل كردي، وسيمون مهنّا، وأنس البريحي، الذين اعتمدوا القامة البشرية، في تمثيلها الملتصق بحالات ذاتية، أو العام المرتبط بأوضاع إنسانية، قاعدة في أعمالهم. هذا الأمر لمسناه، أيضاً، لدى جميل ملاعب الذي لا يغيب التراث عن ذهنه، وإن كانت معارضه الأخيرة تمزج ما بين التمثيل والتجريد. هذا الحكم ينطبق كذلك على ما رأيناه لدى شوقي شمعون. أما أسامة بعلبكي فقد انصرف إلى المشهد الطبيعي، كما انصرف إليه سواه ممن وجدوا في هذا المشهد أساساً لطاقة تعبيرية خاصة، كما لن ننسى ما "خربشته" لور غريّب خلال هذا العام من رسوم تحمل الكثير من العاطفة والعفوية والتاريخ الذاتي، كنا اطّلعنا عليها في معرضها الأخير.

معارض استعادية

لم يخل العام 2017 من المعارض الإستعادية، التي يبدو أن "غاليري صالح بركات" تحمل لواءها أكثر من سواها، نظراً إلى ما تتمتع به الصالة من مقوّمات تسمح بهذا النوع من النشاطات. هكذا، رأينا معرضاً لمنى السعودي تضمّن، إلى منحوتاتها، رسوماً لها لم نشاهدها من قبل، كما شاهدنا معرضاً إستعادياً لعبد الحميد بعلبكي، هذا من دون أن ننسى معرض الصور المأخوذة من أرشيف وضّاح فارس، التي تعكس "المرحلة الذهبية" من تاريخ بيروت الثقافي، الذي أُقيم في الصالة نفسها. في هذا المجال، شهدنا، أيضاً، معرضاً استعادياً لأمين الباشا في متحف سرسق، إضافة إلى مساهمات المتحف في إقامة معارض تلتصق بأمور ملحّة كمسألة البيئة. عاصم ستيتية كان حظي بدوره بمعرض استعادي، ثم اختطفه الموت بعد فترة قصيرة من معرضه. من ناحية أخرى، لا بد من الإشارة إلى الجهد الذي تبذله سمر مزهر، زوجة الفنان الراحل عزّت مزهر، ومبادراتها لإحياء تراث الفنان الراحل من خلال إقامتها متحفاً دائماً لأعماله، ونشاطات أخرى تمت خلال هذا العام ضمن المحترف الموازي للمتحف. إلى ذلك، شهد العام إفتتاح صالة "إسباس 9" – فردان، التي أقامت حتى الآن معرضين للفنانين عزيزة أسعد ومازن الرفاعي.

غيابات

كما في كل عام، لم يكن القدر رحيماً، إذ شاء أن نودّع عدداً من التشكيليين أو الرسامين: سلوى روضة شقير، وجيه نحلة، زوهراب، ستافروا جبرا، وعاصم ستيتية. لكن الحياة تستمر، وفي حين نحمل ذكرى من رحلوا، نحن في انتظار تظاهرات أخرى سيحملها لنا العام المقبل، وإذا كنا قد استعرضنا بعض ما حفل به العام المنصرم، فإن المجال لم يسمح لنا بذكر الجميع، ونتمنى ألاّ "يؤاخذنا" من لم نستطع ذكرهم.

Digital solutions by