Digital solutions by

ثقافة القيادة على الطرقات اللبنانية: "أنا الأقوى"

12 كانون الأول 2017 | 19:07



 كثيراً ما نسمع أن احد المغتربين عاد الى لبنان، ولكن لا يمكنه التأقلم مع القيادة على الطرقات اللبنانية، فهو لطالما اعتاد النظام واحترام القوانين، كالالتزام بالإشارات الضوئية، او إفساح الطريق لسيارات الإسعاف لا القيادة خلفها للهروب من زحمة السير، وصولاً الى ركن سيارته في المواقف العامة لا على الرصيف واغلاق الطرق الفرعية، كما يحصل في بعض الاحياء الشعبية بعد منتصف الليل.محاولات عديدة يقوم بها المغترب للتأقلم مع السائقين المحليين، لكنه يجد نفسه مستسلماً في نهاية الأمر إما للقيادة على الطريقة اللبنانية، او نسيان فكرة القيادة في لبنان. 

ليس مبالغاً القول أن القيادة في لبنان تحتاج الى أدوية للأعصاب، فثقافة القيادة غائبة تماماً لدى معظم السائقين، وثقافة الالتزام بالقانون غائبة ايضاً في ظل تساهل واضح من قبل المعنيين بتطبيق الأنظمة التي يفترض فيها تخفيف زحمة السير والتقليل من الحوادث الحاصدة مئات الارواح سنوياً.

الدولة المتناسية أزمة تعتبر من أكبر المشكلات التي تواجه المواطن، أصدرت قانوناً للسير رغم الشوائب الكثيرة التي تشوبه، بحسب الاختصاصيين، إلا انه يبقى مقبولاً في حال تطبيقه، لتحفيف الأزمة الحالية، وخلق ثقافة لدى السائقين بالالتزام بالقانون وتخفيف السرعة ومنع القيادة بطريقة جنونية. إلا أن هذا القانون هو كما كافة القوانين، يطبق في الأيام الاولى، وفي احسن الأحوال في الأشهر الأولى، وبعد ذلك يرمى في سلة المهملات، وكأن القوانين اللبنانية توضع لفترة زمنية محددة فقط.

غياب ثقافة القانون

"غياب ثقافة القانون السبب الرئيسي للفوضى"، بهذه العبارة لخص رئيس دائرة علم الاجتماع في الجامعة اليسوعية ميشال عبس مشكلة الطرقات اللبنانية، معتبراً في حديثه لـ"النهار" أن "عدم وجود ضبط من قبل الدولة يؤدي الى عدم احترام القانون، فالمشكلة مترابطة تبدأ من قبل الأهل الذين لا يربون أولادهم على ضرورة احترام القانون، أكان قانون السير أم القوانين بشكل عام. يقابل ذلك ضعف من قبل الدولة بالالتزام بما تقره من قوانين، إضافة إلى غياب تخطيط الطرقات والاحياء، وصولاً الى فكرة أن القانون يوضع لأسابيع عديدة فقط.



واعتبر عبس أن بدلاً من ثقافة القانون هناك ثقافة "من هو أقوى من القانون"، فدائماً ما يعتبر اللبناني نفسه فوق الشرائع والأنظمة، ويمكنه بسهولة مخالفتها، مشدداً على أن القانون وجد لضبط حركة المجتمع، وعدم تطبيقه يسبب الفوضى، وهو ما يحصل في لبنان. ففي حال التزمت الدولة بقانون السير الجديد رغم الشوائب فيه، فالجيل الأول سيلتزم به خوفاً من الغرامات المالية المرتفعة، لكن الجيل الثاني والثالث سيلتزم به كثقافة لا خوفاً من العقاب.

ثقافة من التراث اللبناني

ونفى عبس الفكرة السائدة أن الفوضى الموجودة هي نتيجة الحرب اللبنانية، مؤكداً أن احدى البعثات أتت الى لبنان في العام 1961، وكوّنت فكرة أن قيادة اللبنانيين تعتمد على الفوضى، فالسيارات في تلك الفترة لم تكن كما هي اليوم، ولكن تقرير تلك اللجنة في ذلك العام ينطبق على القيادة اليوم، ما يعني ان المشكلة متجذرة منذ عقود طويلة وكأنها من التراث اللبناني، معتبراً ان المشكلة الاساسية ايضاً "برستيج" اللبناني، فهو يحب الاستقلالية واقتناء سيارة خصوصية، فببساطة يمكننا ان نرى على الطرقات مئات السيارات الخصوصية وفي داخلها سائق فقط، وهذا ما يساهم في زحمة السير في ظل غياب خطط للنقل العام، منتقداً في الوقت نفسه وضع أي قانون بدون حضور أي اختصاصي في علم الاجتماع، كون القانون هدفه تنظيم المجتمع. وعلى واضعي القوانين استشارة علماء الاجتماع.

اما أستاذ علم الاجتماع الدكتور زهير حطب فاعتبر أن "واقع القيادة في لبنان ناتج عن عوامل عديدة، بدايةً من غياب نظام السير كقانون واضح. ففي كل فترة تقام حملة اعلامية لقانون جديد او يطبق القانون على مراحل عديدة، وبعد فترة يغيب التطبيق الفعلي في ظل تراخي الدولة في متابعة أبسط واجباتها".

واعتبر حطب ان القانون لا يأتي إلا نتيجة اصرار الدولة على ضرورة متابعة واجبها، فيما على أرض الواقع، فإن الدولة لا تلتزم إلا بما يجلب لها الأموال لتوزيعها على المنتفعين، حيث تكثر الدوريات في أول الشهر وآخره، وكأن التزام وضع الحزام هو فقط في فترة محددة من الشهر. وتساءل حطب عن الأموال التي تأتي إلى الدولة من مخالفات السرعة، فيومياً تصدر بيانات امنية بأنه ضبط ألف مخالفة سرعة، هل فعلياً تدفع تلك الأموال للدولة أم تُلغى نتيجة المحسوبيات.

كذلك تساءل حطب عن دوريات الشرطة المفترض تواجدها على الشوارع الرئيسية. فالشرطي وظيفته منع مخالفات القيادة على الطرق، وليست مسؤولية السائق الآخر. معتبراً ان المشكلة الأخرى هي ثقافة "عظمة اللبناني" وهي مشكلة اساسية يمكن ان نشاهدها بسهولة على الطرق، فإذا كان احدهم يقود سيارة دفع رباعي ينظر الى السيارات الاخرى بطريقة دونية.

اما المشكلة الاكبر فهي الدراجات النارية، او بالأحرى مصيبة المصائب، فعشرات القتلى والجرحى يسقطون فقط بسبب استعراض اصحاب الدراجات مهاراتهم القيادية على الطرقات المحلية، كذلك هناك بعض الطرقات التي يفضل البعض عدم السير عليها لاعتبارها حلبات لتلك الدراجات. وبدلاً من توعية هؤلاء الشباب، نقوم بإحصاء عدد القتلى والجرحى وكتابة تقرير عن الحادث، فيما المفترض على الدولة العمل على منع تلك الحوادث، كوضع حاجز امني او توعية عبر الوسائل الاعلامية والمدارس، وضرورة وضع الخوذة لسلامة السائق وليس خوفاً من الغرامات المالية، فالدولة ليست عداداً للضحايا أو مستودعاً للأموال. وفي حال كان هناك نقاش عن أي قانون للسير، يكون عن تكلفة الغرامات لا عن أهمية القانون.

وفي قراءة صغيرة لتصرفات بعض السائقين على الطرقات اللبنانية، يؤكد ماريو حداد انه يعشق السرعة خصوصاً على طريق جونية بيروت، او على اتوستراد الجنوب، وبعد اجتياز الحاجز الأمني يقوم بفك لوحة السيارة لمنع التقاطه من قبل الرادار، مؤكداً أنه يعلم تماماً اماكن تواجد تلك الرادارات. وفي حال كانت هناك زحمة سير لا يأبه بالقيادة عكس السير خصوصاً في الطرقات الفرعية. ويكمل ماريو بكل ثقة: لا قانون سير ولا من يحزنون، الدولة بأجمعها قائمة على الفوضى ولا يمكن ان تردع اللبناني عن الابتكار في مخالفة القوانين. ثقة ماريو باختراق القانون تنخفض تدريجياً لدى زيارته شقيقه في ألمانيا، حيث اكد أن السرعة هناك لها طعم آخر. وبطريقة ساخرة يقول "كل 100 متر في شرطي سير".


اقرأ المزيد: سائقون يشعرون أنهم "أقوى البشر": 13 ألف شاحنة على الطرق واللبنانيون ضاقوا ذرعاً



Digital solutions by