Digital solutions by

أين هم رفاق الأمس بعدما تفرّق العشاق؟

12 كانون الأول 2017 | 08:35

المصدر: "النهار"

لا تحل الذكرى الثانية عشرة لاستشهاد جبران تويني، على وقع التراجع المتدحرج تدريجاً منذ بضعة أعوام لثورة الأرز التي اطلق شرارتها الى جانب رموز آمنت بتلك الحركة الاستقلالية فحسب، بل أكثر من ذلك، تحل وقد دخلت في موت سريري لا يشبه أبداً او يليق بتضحيات شهدائها، ما دامت تلك التضحيات عجزت عن ابقاء التماسك قائماً بين مكوّناتها، حتى تحوّل هذا الموت الى اعتراف وإعلان صريح على لسان هؤلاء.  

ليس الموت المشار اليه نتيجة بلوغ الحركة الاستقلالية التي أهرقت دماء جبران من اجلها، أهدافها، ولا بسبب انتفاء الأسباب التي اوجبتها. ذلك ان لا الأهداف تحققت بعد، ولا الأسباب انتفت، وإنما بسبب تشتّت القواسم المشتركة التي اجتمعت أركان ١٤ آذار تحت لوائها. بحيث لم يعد خافياً على احد ولاسيما الجمهور الآذاري الخائب، تبدل الأحوال، وانقلاب التحالفات، وتغليب منطق التسوية على المواجهة، فيما لم تتغيّر الأهداف ولا معطياتها. فالسيادة لا تزال منقوصة، اذا لم يكن الامر أسوأ مع انتقال زمن الوصاية من يد الى أخرى من داخل المحور عينه، ولا الاستقلال استعاد بريقه بعد تعمّق منظومة الدويلة ضمن الدولة، بحيث بات العبور الى دولة المؤسسات التي تعطي لبنان الاولوية على سياسات المحاور الإقليمية اكثر استحالة. اما الصراع الاقليمي على المحور السعودي - الايراني الذي حكم المشهد المحلي على مدى العقد الاخير معطوفاً على الأزمة السورية وارتداداتها على الداخل اللبناني، وتحديداً منذ زلزال ١٤ شباط ٢٠٠٥، وكان من ابرز ضحاياه، الى جانب جبران تويني، نخبة من القيادات اللبنانية المؤمنة بالحق السيادي للبنان، فقد اتخذ وللمفارقة مفهوماً جديداً اخيراً، بعد الاستقالة المريبة للرئيس سعد الحريري من رئاسة الحكومة من الرياض والعودة عنها من قصر بعبدا ضمن تسوية جديدة اخرجت الاصطفافات الداخلية عن مسارها، راسمة مساراً جديداً تحكمه التحالفات المستجدة، حيث أعداء الامس باتوا حلفاء اليوم، وحلفاء الخندق الواحد بالامس تشتتوا فتاتاً تبحث عن مواقع لها ضمن الصفقة الجديدة، لتحجز لها مكاناً في قطار التسوية الاقليمي.

لجمهور ١٤ آذار ومحبّي جبران تويني، سؤال يطرحونه في الذكرى الثانية عشرة لإنطفاء الصوت الصادح لديك ثورة الأرز: لو كان جبران هنا اليوم، ماذا كان قال، وماذا كان كتب لهؤلاء الذين يغيبون اليوم عن السمع والنظر؟

هل كان افتقد اجتماعات البريستول وقرنة شهوان او ساحة الشهداء التي سكب فيها قسمه الشهير، او كان سأل عن السبب الذي فرّق القلوب والضمائر، وما اذا اصابها خرف او هذيان، بما ان مرض العصر بات الذريعة التي تبرر تلاشي الأحلام على أبواب واقع التسويات المرير؟ او يسأل عن ملف كل الشهداء وعن ملفه الذي يغيب منذ أعوام عن اروقة القضاء بعدما تبعثرت الأدلة وضاعت في غياهب النسيان؟

قد لا يكون ما اصاب ١٤ آذار وليدة الظروف الراهنة بقدر ما هو نتيجة تراكم أعوام من ضياع البوصلة الاساسية التي من اجلها قامت الحركة الاستقلالية، بعدما أرست قرارات المساكنة وربط النزاع حالاً من الترهل اصاب الحركة الاستقلالية مقتلا في أهدافها واستراتيجيتها. ولعل أولى تلك الشرارات انطلقت منذ اتفاق الدوحة ومع طرح قوى الحركة الاستقلالية لترشيح شخصيتين من محور ٨ آذار الى رئاسة الجمهورية، ومع خضوع هذه القوى لتعطيل استحقاق انتخاب رئيس للدولة، والتكيّف مع شغور رئاسي أفضى الى وصول واحدة من الشخصيتين المشار اليهما الى الرئاسة الاولى، على اكتاف تفاهم معراب ومبادرة بيت الوسط.

ولم تقف التنازلات التسووية عند هذا السقف بل عمّقت الشرخ اكثر مع القبول بتمديدن للسلطة التشريعية أضعفا التمثيل الصحيح للقواعد الناخبة.

بين الأمس واليوم، سيرى جبران رئيس "المستقبل" وزعيم ١٤ آذار متناغماً في تحالف ودي مع "التيار الوطني الحر"، بعدما كان رأى بالامس القريب رئيس "القوات اللبنانية" يلعب دور العراب لعهد جديد سيده ميشال عون، في إطار ما عرف بتفاهم معراب. تفاهم لم يصمد لأكثر من عام بعدما أرهقته حسابات السلطة ومصالحها الخاصة، فدخل اخيراً في مرحلة من الطلاق قد تنتهي الى عزل احد طرفي الثنائية المسيحية الجديدة، بعد تكون تحالف خماسي جديد ضم الى أركان ٨ آذار التقليديين ( "امل" و"حزب الله" و"التيار الوطني الحر") ابرز قادة ١٤ آذار سابقاً الزعيم الجنبلاطي، والى جانبه زعيم "المستقبل".

والواقع ان الخلاف الاخير بين القوات والتيار خرج الى العلن بعدما فجّرت أزمة الحريري وما سبقها او أعقبها من مواقف العلاقة بين الحليفين، تماماً كما حصل بين القوات و"المستقبل"، التي تؤكد الاوساط المستقبلية مدى الشرخ القائم بين الزعيمين، على خلفية اتهام المستقبليين لجعجع بدور في التحريض على الحريري لدى السعوديين.

هل تنتقل "القوات" في منظومة العزلة المستجدة الى خندق الكتائب الذي سبقها بدفع من القوى المشار اليها الى التموضع في المعارضة بعدما أُخرجت من السلطة؟ السؤال رهن ما ستحمله الأيام المقبلة من بلورة للتموضعات الجديدة التي اوجبتها تسوية النأي بالنفس الاخيرة، لاسيما وان البلاد على أبواب خوض استحقاق الانتخابات النيابية في أيار المقبل، اذا صمد "الستاتيكو" الجديد القائم على أنقاض التسوية الرئاسية وسقط المحور السعودي في وجه المحور الايراني على الساحة الداخلية.

هل تبقى المملكة في صمت او قبول للتموضع الجديد للحريري، وهل يصح وصف موقع الحريري اليوم الى جانب عون بأنه بات اقرب الى "حزب الله" مما هو الى حلفاء الامس؟ وان المساكنة وربط النزاع باتا يحتاجان الى توصيف جديد في ضوء المشهد الجديد؟

هل انفرط عقد ١٤ آذار فعلاً وانتهى كما يقول معظم قياديّيه وتفرق العشاق؟ أو انتفت فعلاً الحاجة الى هذا التنظيم، وهل يمكن إصلاح ما انكسر لا سيما وان الأهداف لا بد من ان تبقى مصدراً جامعاً مشتركاً بين هؤلاء؟

أسئلة كثيرة، لا الوقت اليوم ولا الظروف الراهنة كفيلة بتقديم اجوبة شافية لها، الا ان الاكيد في اوساط جمهور ١٤ آذار ان سلوك مكوّنات هذا الفريق وغرقهم في تصفية حساباتهم الخاصة من خارج العنوان الأكبر للصراع، أوقع البلاد في احضان المحور الايراني، فغاب اي عمل سياسي متكامل لمواجهة مشروع السلاح والانخراط في الصراع الاقليمي، بعدما بات هذا العنوان خارج طاولة النقاش، كما بدا جلياً في المناقشات الاخيرة على طاولة مجلس الوزراء لتوليد بيان النأي.

قد يكون الغموض السمة الاساسية التي تطبع المشهد السياسي الداخلي، في ظل تضليل سياسي وإعلامي يضيّق على الحريات ويدجّن الاعلام، ولكن ثمة ثابتة واحدة لم تسقط في زمن المتغيّرات الكبرى، وهي ان المفهوم السيادي الذي من اجله أهرقت دماء شهداء ثورة الأرز ليس من عاتق من يتنازع اليوم على السلطة، بل كان ويبقى صنيعة شعب وعنوان قضية، ولا يقف عند تحالفات تتبع حساباتها واجنداتها الداخلية والخارجية.

ولا يمكن مع احياء ذكرى غياب جبران تويني الا أن يتضح حجم الخسارة التي منيت بها حرية الاعلام والرأي والتعبير، أو حجم الهوّة العميقة التي باتت تفصل ساحات الحرية عن شاغليها.

Sabine.oueiss@annahar.com.lb

Digital solutions by