Digital solutions by

عن جبران الشهيد بين زمنين... أين أيام العنفوان يا رجل؟

12 كانون الأول 2017 | 08:29

المصدر: "النهار"

بين كانون الاول 2005 وكانون الاول 2013 لم تختلف ظروف لبنان كثيراً الا بقدر ضئيل من المهادنات الامنية والسياسية، في وقت بدا معه لبنان رازحاً باستمرار تحت وطأة ميزان قوى مختل اختلالاً عميقاً لغير مصلحة الحركة السيادية التي طلع فجرها في 14 آذار 2005 ومن ثم راحت تتلقى الضربات الثقيلة تباعا في حرب الاغتيالات المنهجية. مفارقة لافتة واحدة وضعت جبران تويني "نجم الشهداء" الصحافيين والنخب الاعلامية مع زميله الشهيد الآخر سمير قصير الى جانب شهيد نخبوي آخر من عالم الخبرة الديبلوماسية والاقتصادية هو السفير السابق الراحل محمد شطح. هذه المفارقة تمثلت في أن شهر كانون الاول ، شهر الميلاد والانتقال من سنة راحلة الى سنة جديدة، صار يشكل معادلة زمنية ومعنوية شديدة الوطأة دراماتيكيا على "مجتمع" شهداء المعسكر السيادي وحركة 14 آذار وقوى تحالف 14 آذار سواء بسواء. صار هذا الشهر يطبق على مناخ سوداوي يواكب شهر الفرح بالميلاد العظيم كأنه يحفّز المعتقدات المسيحية الاكثر ترسخاً في وجدان المؤمنين بأن الالم هو صنو السعادة. معادلة تبدأ بذكرى استشهاد جبران في 12 كانون الاول 2005، وما ان يمر عيد الميلاد حتى تحل ذكرى استشهاد محمد شطح في 27 كانون الاول 2013. أشد المفارقات اثارة لتحفيز الوجدان اللبناني المتعلق بمسألة "وحدة الشهادة" جاءت في هذا الشهر. جبران تويني ومحمد شطح على فارق السنوات الثماني بين شهادتيهما، قدما مع الشهادة وبعدها ما شكل دوما درة تاج الحركة الاستقلالية السيادية وما جعل جبران يتفوق في يوم ثورة الارز عبر قسمه الشهير، فكان ان شكل كانون الاول "الى الأبد" عنوان شهادة مسلمين ومسيحيين "من اجل لبنان العظيم".  

توطئة لا بد منها للنفاذ الى سؤال لا نملك جوابا عليه: هل ترانا في يوم الذكرى الثانية عشرة لاستشهاد جبران تويني فقدنا ايضاً زمن العنفوان المصاحب لحركة اريد لها ان تحرر لبنان تحريراً كاملاً من كل تبعات الارتهان والتبعية والتخلف الطائفي والمذهبي، ولن نتوغل اكثر لأن الانتفاضة الكبيرة كانت تتمحور حول التحرر من الوصاية السورية اولاً وأخيراً في المقام الاول، فاذا بنا اليوم والآن وفي هذه الساعة امام أسوأ ما أصاب "ثورة" مثقلة بهذه المعاني والدلالات والمضامين؟ نسوق الامر من زاوية العنفوان والكرامة الوطنية لا من منطلق معاقبة للنفس وللآخرين إطلاقاً، وانما لأن صاحب هذه الذكرى يملي علينا مقاربة ذكراه وسيرته وكل ما يتصل به من هذه الزاوية اولاً ومن ثم تأتي الدلالات الاخرى متدرجة. حتى لنكاد نذهب الى "حنين" ، وهو ما لا يجوز الذهاب اليه او حتى ذكره بهذا التعبير، الى زمن كان فيه الصراع السياسي والمبدئي والوطني على مقاس قامات كجبران تويني الذي لم يرضخ لمعادلة ان العين لا تقاوم المخرز أو أن صوت الديك الصادح فجراً لا يقوى على سيارات مفخخة بالإجرام العاتي الراصد للأحرار عند مفترقات الدروب. في ذاك الزمن (وَيَا للمفارقة ان تغدو سنوات قليلة بمثابة تاريخ طويل)، كانت معايير الصراع المتراكم منذ عقود بفعل إمعان الوصاية السورية ونجاحها الباهر في تعميق تقسيم اللبنانيين وتوظيف إنقساماتهم الطبيعية او المصطنعة، غدت بمثابة المؤشر الأخطر اطلاقاً الى اتجاه لبنان نحو حقبة دامية غير مسبوقة من الإغراقات الاجرامية في ظل الزلزال الاكبر الذي شكله اغتيال الرئيس رفيق الحريري وانفتاح جحيم الاغتيالات ومحاولات الاغتيال الاخرى على الغارب مستهدفاً نخب الحركة السيادية. اشبعت تلك الحقبة تأريخاً وتذكيراً ولم يبق في زواياها فاصلة او تفصيل لم يشرح امام الرأي العام اللبناني والخارجي. ونعني هنا الجانب السياسي لا القضائي الجنائي الذي باستثناء المحاكمات في ملف الرئيس رفيق الحريري في المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، فان الملفات الاخرى ومن بينها ملف اغتيال جبران تويني ترقى في قصورها والبطء المريب جداً في مساراتها الى مستوى فضيحة الفضائح اطلاقاً لخلوها من اي تقدم. لكننا نجد أنفسنا بعد 12 عاماً على استشهاد جبران، أحد أبرز أصوات الانتفاضة السيادية واحد اشهر اصحاب الاقلام الصارخة والاصوات الصادحة بشجاعة منقطعة النظير، ذهبت به الى حد الاستهانة بالذات في مواجهة اجرام لا يقف عند حدود ولا يقيم وزناً لأي اعتبار ولا يرعوي امام شهوة تصفية الأعداء والخصوم، نجد أنفسنا امام خجل حقيقي من تطور الصراع سلباً وانحداراً وتدهوراً وهبوطاً الى مستويات ومآلات ومصائر اقل ما توصف به بأنها باتت تنذر بتصفية زمن الصراع الحقيقي وتحل مكانه أي شيء آخر لا تنطبق عليه معايير الحركة السيادية الأصلية. إن أسوأ ما يواكب ذكرى الشهداء في كل سنة ان يتساءل الناس ماذا تراهم كانوا ليفعلوا لو كانوا احياء. الشهيد يذهب مع معايير زمنه لأنه يصنع المعايير بنفسه، ولا يجوز تالياً انكار حقه في عدم اسقاط اللحظة على زمنه. مع ذلك كان جبران تويني من قماشة تجعلنا نخشى الان تحديداً، ان يكون افتقادها بهذا الزخم الدرامي، نذير جفاف قاتل في ما تبقى من القضية التي من اجلها تحدى الظلامية الاجرامية. اين زمن جبران من زمننا الضحل هذا؟ اقله كان ثمة عبق من عنفوان يداعب أحلامنا حتى في حلقات الموت التي زرعها اجرام بتوقيعه حرب الاغتيالات التي جندلت شهداء من نخب لبنان من دون ان تقوى على كسر الكرامة فيه. 12 سنة كانت كافية لتعويم بؤس وطني بهذا الحجم وبهذا الاتساع. أي منقلب بائس هذا نطل به على جبران الصارخ كأنه آخر الصارخين!.

Digital solutions by