Digital solutions by

موسيقى وغناء ومسرح... الانفتاح يجتاح السعودية و"هيئة الترفيه" تضبط الايقاع

9 كانون الأول 2017 | 19:13

المصدر: "النهار"

المملكة العربية السعودية لم تعد كما ألِفها السعوديون والعرب والعالم. "الانفتاح" يجتاحها بقيادة العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز ونجله ولي العهد الأمير محمد. "الانفتاح" كلمة تلخّص ما يجري على الأراضي #السعودية. ومن يريد أن يفنّد الانجازات التي تحققت ضمن هذه السياسة الجديدة، يستخلص أن للمرأة حصة بعد السماح لها بقيادة السيارة وتبوّؤ مراكز سياسية واجتماعية وصولاً إلى دخولها الملاعب الرياضية، فيما لفت بروز هيئة جديدة جذبت أنظار السعوديين. إنها #الهيئة_العامة_للترفيه. 

ولعلّ اختيار قرّاء مجلة "تايم" الأميركية الأمير محمد بن سلمان "شخصية العام 2017" دليل على نتائج هذا الانفتاح الذي يندرج ضمن "رؤية 2030" التي أطلقها، مؤكداً أنّ "شبابنا واعٍ وقوي ومثقف ومبدع ولديه قيم عالية".

منذ 14 تشرين الثاني المنصرم لم تهدأ ليالي الرياض وجدّة والدمام وغيرها من المدن، بعد أن شهدت حركة ترفيهية من موسيقى وعروض مسرحية وثقافية للمرة الأولى في تاريخها. اعتلى مسارحها عازف البيانو العالمي #ياني في ست حفلات. ووقفت للمرة الأولى الفنانة اليمنية #بلقيس فتحي واللبنانية #هبة طوجي أمام جمهور طالما عبّر عن تعطّشه للفن الراقي، وصولاً إلى المسرح الساخر الذي يعبّر في رمزيته عن هامش من حرية التعبير في التطرق إلى مواضيع كانت بمثابة "تابو". 

اقرأ أيضاً: قبل ساعات على حفلها في الرياض... هبة طوجي لـ"النهار": "هذا ما سيسمعه السعوديون"

لن يحتاج الجمهور السعودي بعد اليوم إلى تكبّد عناء السفر لمشاهدة نجمهم أو عرضهم المفضّل، الترفيه قادم إليه بتنظيم ودعم الهيئة العامة للترفيه. وفي أيار العام 2016، أصدر الديوان الملكي السعودي أوامر ملكية تضمنت إعادة هيكلة أجهزة مجلس الوزراء، من بينها إنشاء هيئة للترفيه التي أطلقت روزنامتها الشتوية في 14 تشرين الثاني المنصرم لتستمر إلى 3 من كانون الثاني، مقدّمة نحو 251 عرضاً فنياً وثقافياً وترفيهياً لمختلف الفئات العمرية. 

المحلل والكاتب السعودي سليمان العقيلي يصف الحراك الذي تقوده هيئة الترفيه بـ"المتنوع ما بين فني وتراثي وترفيهي يستهدف الشباب والاسرة السعودية. وهو في شكل عام موجّه لتحقيق هدف استراتيجي وهو أنسنة المدينة السعودية وإحياء روحها الانسانية بعد ان تحوّلت الى كتل اسمنتية واسواق تجارية. ما دفع البعض إلى العزلة او السفر إلى الخارج بغية طلب الترفيه والتواصل الانساني". ويشير العقيلي في حديث لـ"النهار" إلى أنّ الهيئة "تستهدف أيضا تطوير المفاهيم الاجتماعية للانسان السعودي والمجتمع في شكل عام لتنويع أسلوب الحياة والانفتاح الثقافي".

ولا تغيب الانجازات عن حديث العقيلي، خصوصاً التي حققتها السعودية خلال السنوات الأخيرة ضمن خطوات اصلاحية، وقال: "أصبحت المرأة برتبة وزيرة وديبلوماسية وعضو في مجلس الشورى وناخبة ومرشحة في انتخابات المجالس البلدية، وفازت في هذه الانتخابات قبل عامين بنحو ١٨ مقعداً في مجالس بلدية عدّة، كما فازت في انتخابات مجالس الغرف التجارية وهيئات وجمعيات عدّة في المجتمع المدني. وأصبحت رئيسة ومديرة تنفيذية لعدد من الشركات العامة والخاصة. كما سمح لها بقيادة السيارة، وهي بالتأكيد ضابطة وعسكرية". وتابع: "بدأت الآن الانخراط في النشاط الرياضي ودخول الملاعب الرياضية والتربية البدنية في مناهج مدارس التعليم العام للبنات. هذه ملامح للاصلاحات في ميدان المرأة السعودية التي حققت نجاحات في ميادين الأبحاث العلمية والطبية وفي علوم الفضاء أيضاً. وهذه كلها عينة من الاصلاحات الاجتماعية".

حاز الحفل الأخير الذي أحيته الفنانة اللبنانية هبة طوجي في الرياض، على اهتمام الصحافة العالمية بعنوان عريض "الانفتاح في السعودية". ومن تابع الفيديوات التي تم تناقلها على مواقع التواصل الاجتماعي، يشعر بهذا التعطّش لدى السعوديات لخوض تجربة هي الأولى لهنّ على أرض وطنهنّ، والاستمتاع بالفن الراقي. وهو ما أكدته طوجي في مقابلة أجرتها معها "النهار"، وقالت: "كوني من أولى النساء اللواتي يعتلين المسرح ويغنين في السعودية، أعتبرها خطوة مهمة في مجال الانفتاح الثقافي والموسيقى لأنه يمسّ بالمرأة".

الفنان #غسّان_الرحباني يستعد لاحياء حفله في 15 من الشهر المقبل في مدينة الملك عبد الله الاقتصادية بجدّة بعنوان "وتر رحبانيات"، مشيداً بالدور الذي تقوم به هيئة الترفيه: "حان الوقت لنرى هذا الفن في السعودية، قرار حكيم".

اقرأ أيضاً: فن إلياس الرحباني للمرة الأولى في السعودية... غسان الرحباني: "قرار حكيم"

الفنان #ميشال_فاضل الذي شارك كأول مؤلف موسيقي لبناني في حفلين لن ينساهما قال لـ"النهار": "أشعر بأنني محظوظ لأنني كنت الفنان اللبناني الأوّل الذي يحيي حفلين في السعودية، ولا أخفي أن هناك مباحثات لتكرار التجربة. تفاعل الجمهور يصعب وصفه، السعوديون متعطشون للموسيقى الراقية، قبل ذهابي كنت خائفاً لأنني لم تتح لي فرصة التعرف إلى الجمهور السعودي، ولكن بعدها سعدت بهذا التفاعل. كنتُ بداية التجربة وسعيد لأنه تم اختياري، حاولت أن أرضي الجمهور على مختلف مشاربه الموسيقية، لا سيّما أنني أحرص على حضور الموسيقى الشرقية والكلاسيكية معاً في حفلاتي. وأهنئ هيئة الترفيه لأنها تهتهم بهذا المستوى الراقي من الموسيقى". 

فيما علّقت الفنانة بلقيس بعد حفلها قائلة: "هيئة الترفيه على رأس الجميع، لولاها ودعمها لم يكن ليحصل هذا الحفل، أنا وجميع النساء اللواتي شاركن في الحفل دخلن التاريخ".

القاعات والتجهيزات

منذ فترة وقبل انطلاق فاعليات هيئة الترفيه، وفي سياق دردشتنا مع أحد مخرجي المسرح اللبنانيين، قال لنا إنّ السعودية لا ينقصها شيء، القاعات موجودة وتتوافر فيها الشروط لتنظيم حفلات تستوعب جمهوراً كبيراً. ومن يطلع على الحفلات الأخيرة التي نظمت في جدة والرياض والدمام يتأكد من هذا الأمر.

الفنانة بلقيس التي أحيت حفلاً في جدة نشرت فيديو من التحضيرات ما قبل الحفل الذي خصص للنساء فقط، قدمت لمحة عن القاعة الضخمة.

نشاطات هيئة الترفيه تجتاح السوشيل ميديا

تركت هيئة الترفيه مساحة للسوشيل ميديا وتفاعل الجمهور السعودي مع الحركة الفنية والثقافية الناشطة، وخصصت منبراً لها سواء في حسابها عبر "تويتر" بعنوان "الهيئة العامة للترفيه" أو موقعها الإلكتروني الذي يحوي روزنامة كاملة ومفصلة عن النشاطات الموسمية المقبلة بعنوان "روزنامة الترفيه"، متيحة إمكانية تحميلها عبر الأجهزة الذكية.


هذا المشهد استكمل باستحداث خدمة خاصة لمن يريد الاندماج ضمن فاعليات الهيئة والمشاركة في تقديم النشاطات، فأصدرت الهيئة نظاماً الكترونياً يتم الحصول من خلاله على ترخيص للفعالية الترفيهية المقترحة إلكترونياً، لتصبح بالتالي تحت رعاية ودعم من الهيئة، واضعة أدق الخطوات للحصول على ترخيص الفعاليات الترفيهية، وأرفقته بهاشتاغ "فعاليتك إثراء للحياة".

شروط صارمة وضعتها هيئة الترفيه: 

ووضعت الهيئة شروطها الخاصة لحضور النشاطات التي تنظّم للعائلات والشباب والنساء، إذ سمحت بمشاركتهن في عروض موجهة للنساء فقط، ومنعت إقامة عروض الخفة والسحر.

"الهيئة تستفزّ المجتمع السعودي"

لم تسلم الهيئة الجديدة من الانتقادات منذ اليوم الأوّل للإعلان عنها، إذ تساءل سعوديون عن مهامها وحاجتهم لنشاطات الترفيه والحفلات الغنائية والموسيقية والعروض المسرحية.

العقيلي يعلّق على ردود فعل سعوديين رافضة لهذا التغيير قائلاً: "هي ردود مختلفة وتتسم بالتنوع والتعقيد، ذلك ان المجتمع عاش لنحو أربعة عقود على خطاب ثقافي واحد يتسم بالمحافظة والانكفاء"، معتبراً أنه "لا بدّ ان يترك ذلك تأثيرا نفسياً وثقافيا. وفي شكل عام تلقى برامج الترفيه ترحيبا عارماً من فئة الشباب والطبقة المتوسطة، فيما لا تجد قبولا من التيارات التقليدية التي تعتقد ان في مثل هذه النشاطات نيلاً من القيم الدينية المحافظة، رغم ان الهيئة تلتزم ببرامجها بقدر عال من الضوابط التي تحافظ على الحد المتفق عليه اسلامياً من الضوابط الاخلاقية والادبية".

وتابع العقيلي: "هناك فئات ترحّب ببرامج الترفيه في شكل عام لكنها تتحفظ على دعوة نجوم الفن العالميين الذين يرون أنهم لا يمثلون الحد الادنى من الالتزام الاخلاقي، أو قامت شهرتهم على الموضات الغربية ذات النزعة المادية وليس الابداع الفني من وجهة نظرهم. فيما لا يوافق البعض على الاختلاط بين النساء والرجال في الحفلات العائلية، لكن قبول هذه النشاطات اصبح يتوسع بفعل تطور فكرة التعايش والتعددية".

ماذا عن بعض الدعوات على مواقع التواصل الاجتماعي لإلغاء الهيئة، هل يمكن أن تؤثر على النشاطات المرسومة؟ يجيب العقيلي: "لا أتوقع ان تحدث الدعوات لالغاء هيئة الترفيه استجابة من السلطة السياسية. وأقصى ما يمكن أن يحدث أن تضبط برامج الهيئة بقواعد أكثر صرامة تجاه ما يستفز التقليديين. وبالتالي، فإنّه من المتوقع أن توسّع هيئة الترفيه نشاطاتها الموجهة للأسرة والمرأة والشباب، ولكن وفق خطوات مدروسة بحيث تأخذ بعين الاعتبار ان تكون اكثر قبولاً".


Digital solutions by