Digital solutions by

"جنون" ترامب حول القدس جعله "بابا نويل" لإسرائيل!

8 كانون الأول 2017 | 19:46

المصدر: "النهار"

"لقد عدنا للتوّ من الشرق الأوسط. عدنا للتوّ من السعوديّة". هذا ما قاله الرئيس الأميركيّ دونالد #ترامب بعدما أنهى زيارة تاريخيّة إلى #الرياض في أيّار حيث شارك في القمّة العربيّة الإسلاميّة الأميركيّة. كلام كهذا ما كان ليلفت الأنظار، لو أنّه قيل في الولايات المتّحدة أو في أوروبّا أو في الصين. لكن أن يقول ترامب هذا الكلام وهو يزور نظيره الإسرائيليّ رؤوفين ريفلين، ففي هذا مشكلة كبيرة.


 

ليس ترامب الرئيس الأميركيّ الأوّل الذي لا يبدي "مهارات" في جغرافيا الدول والمناطق أو حتى أسمائها. جورج بوش الابن، وحين كان في زيارة إلى أستراليا عام 2007، خلط بين النمسا (Austria) وأستراليا. أتى ذلك بعد دقائق فقط على خطأ أوّل وقع فيه الرئيس الأميركي الأسبق، إذ شكر الرئيس الأستراليّ على استضافته قمّة "أوبيك" (OPEC) أي قمّة الدول المصدّرة للبترول، في حين أنّ المؤتمر الذي حضره بوش كان ل "أبيك" (APEC) أي منتدى التعاون الاقتصاديّ لدول آسيا والمحيط الهادئ، علماً أنّه عاد وصحّح الخطأ الأخير. 

حين يختار تجاهل التعقيدات

قد يكون ما جاء على لسان بوش منذ عشر سنوات زلّة لسان بسبب التشابه في ألفاظ بعض الكلمات. أمّا بالنسبة إلى كلام ترامب فسيكون من الصعب التكهّن بوجود هفوة عابرة في الموضوع. فعدم معرفة الرئيس الحاليّ بأنّ فلسطين المحتلّة أو حتى حليفته إسرائيل تقعان في الشرق الأوسط يعني أنّ عقبات كبيرة ستظلّ تعترض مسار التسوية بما أنّ معظم أزمات الشرق الأوسط مرتبط بالصراع العربي الإسرائيليّ عموماً والصراع الفلسطينيّ الإسرائيليّ خصوصاً.

من هنا، يلاحظ المراقبون أنّ ترامب يجنح إلى فصل المسارات بين مسائل غير قابلة للفصل بطبيعتها. فمحاولته الفصل بين الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل من جهة وبين مسار التسوية الكبيرة بين الفلسطينيّين والإسرائيليّين من جهة ثانية، ينمّ عن تبسيط كبير للمسألة، بالحدّ الأدنى. لكن في حين يرى البعض أنّ ترامب غير مطّلع على تاريخ المنطقة، يكتب آخرون أنّ الرئيس قد اختار تجاهل تعقيدات الصراع الفلسطينيّ الإسرائيليّ.

"المدينة المقدّسة ستدفع الثمن"

المراسل البارز لمجلّة "ذا بروسبكت" الأميركيّة غيرشوم غورنبرغ عبّر عن قلقه منذ بداية هذا العام عن أي خطوة أميركيّة تعترف بالقدس التي يقطنها عاصمة لإسرائيل. وطلب من الرئيس الأميركي أن يختار منطقة أخرى لجلب المشاكل إليها قبل أن يلفت نظره إلى قراءة تقارير أهل الاختصاص بمن فيهم المسؤولان اللذان عيّنهما في وزارتي الدفاع والخارجيّة، ليعلم أنّ هذه الخطوة ستجلب المشاكل للبلاد. وكتب كيف أنّ قانون الكونغرس الأميركي (1995) هو بحدّ نفسه مخالف للقانون الدوليّ والسياسة الأميركيّة التي اتّبعها الرؤساء السابقون لفترة طويلة من الزمن. "من المرجّح أن يتجاهل ترامب التاريخ والحذر، وستدفع المدينة المقدّسة الثمن".

مغالطة ترامب وتداعيات "نقص فهمه"

من جهته، رأى مراسل صحيفة "الاندبندنت" البريطانيّة في القدس دونالد ماسنتاير أنّ ترامب أثبت مقداراً قليلاً في فهم قراره بشأن القدس. وأضاف أنّ الأخير لم يذكر العبارة الأحبّ على قلب اليمين الإسرائيلي وهي أنّ القدس هي "العاصمة الأبديّة والموحّدة" لإسرائيل. هذا أمر من الناحية النظريّة على الأقلّ، يترك الاحتمالات مفتوحة أمام بقاء القدس الشرقيّة عاصمة لفلسطين بحسب ماسنتاير. لكن مع ذلك، لم يحدّد ببساطة، ما افترضته الإدارات السابقة جميعها بما فيها إدارته، أنّ القدس الغربيّة ستكون مركزاً لعاصمة إسرائيل المستقبليّة. فهذا الأمر ترك انطباعاً أيضاً بأنّ إدارته كانت منفتحة على القدس ك "عاصمة موحّدة". أمّا المغالطة الكبيرة التي وقع فيها ترامب بحسب رأيه فهي افتراضه أنّه وبسبب عدم الاعتراف بالقدس كعاصمة للدولة العبريّة وعدم نقل السفارة إليها هما اللذان منعا إحلال السلام، لذلك قرّر فعل الأمرين معاً. "تتبقّى مراقبة النتائج المباشرة للنقص في فهمه (للقضيّة)".

"إنّه جنون ... جميعنا معارضون"

عدم قدرة ترامب على مقاربة موضوع #القدس من كلّ جوانبه لا يرتبط فقط بتحليل المراقبين أو بعضهم على الأقلّ. فالمقرّبون منه في البيت الأبيض قالوا إنّ ما فعله ترامب لا يتعلّق بمسار السلام المفترض بل بتثبيت نفسه كمدافع عن الإسرائيليّين. وهذا ما نقلته صحيفة "الواشنطن بوست" الأميركيّة عن مسؤولين في الإدارة مشيرة إلى أنّ أحدهم وصف ما قام به ترامب ب "الجنون". وعلى الرّغم من وجود أشخاص بارزين في البيت الأبيض دفعوا الرئيس الأميركي بهذا الاتّجاه، كان لآخرين رأي مناقض تماماً. "إنّه جنون. نحن جميعنا معارضون ... لا يدرك ما الذي سيطلقه من خلال فعل ذلك"، يقول أحد "الموثوق بهم" من قبل ترامب كما كتبت الصحيفة.

"هديّة مجّانيّة"

ما فعله ترامب في قضيّة القدس لم يكن سوى مراكمة أخطاء في نهاية المطاف، قد تكون ناتجة عن مزيج من التسرّع وعدم الدراية. الكاتب السياسيّ البارز في صحيفة "نيويورك تايمس" الأميركيّة توماس فريدمان قال في مقابلة مع شبكة "أم أس أن بي سي" إنّ ترامب أعطى القدس لإسرائيل ك "هديّة مجّانيّة" من دون أي تنازل من قبلها لتسهيل المفاوضات حول السلام مع الفلسطينيّين. وانتقد في السياق نفسه كيفيّة تعامل الرئيس الأميركيّ مع عدد من القضايا الدوليّة: بالنسبة إلى الصينيّين واليهود "إنّه عيد الميلاد!" فالصينيّون فرحون لأنّ الرجل مزّق اتفاقية الشراكة الأطلسيّة للتجارة والاستثمار ببساطة علماً أنّها كانت ورقة تفاوضيّة بيده مع الصينيّين. ومن هنا، "إنّ الصينيّين واليهود في إسرائيل اليوم، جالسون وهم يقولون: هنالك حقّاً بابا نويل، اسمه هو دونالد ترامب!"


Digital solutions by