Digital solutions by

زُرْتُ جبران تويني اليوم وحاورته...

8 كانون الأول 2017 | 19:50

المصدر: "النهار"

قرعت بابه من دون موعدٍ مسبق. الجميع يعرفه. صورته في إطار على الحائط. جبران تويني. عالم نابض بالحياة. منشغلٌ في الكتابة. متحمّس ليمطر مقالته الأسبوعية بالتساؤلات.  تساءلت: كيف له أن يكتب كلّ هذا؟ كيف له ان يواصل المعركة؟ ان يواجه الموت والخطر والاغتيال؟ وسألته: كيف استطعت ان تجتاز مرحلة كلّ ما كتبته؟ كيف تجرأت على كتابة كلّ هذا من دون أن يغصّ الحبر بالرجفان؟

جبران كأنه لم يغب 12 عاماً. جريءٌ، ولا يوفّر أحداً. لكنه اليوم يكتفي بالموقف الروحي. "أنا معكم، من هنا". لم يعد قادراً أن يهبّ الى ساحة الشهداء الى جانب الأحبة، فيعتصم معلياً قلمه أمام عين الشمس. منعوه من ذلك. وهذا ما يحزّ في قلبه. استنتجت من كلّ ما كان يريد قوله جملةً واحدة: "التاريخ في لبنان يعيد نفسه".

• كيف ينظر جبران تويني الى واقع المجلس النيابي الحالي بعد تمديد طاله 3 مرّات ؟

"اصبحت جلسات المناقشة العامة في مجلس النواب مثل "صندوق الفرجة"... طل وشوف الصفقات والفضائح والابتزاز والتهديد والوطنيات والخلافات ثم الخلوات ومن ثم الاتفاقات... وأكيداً على حساب المواطن... فيقفل الصندوق وتنتهي الفرجة! تنتهي جلسة المناقشة وكأن شيئاً لم يكن، اتفق الجميع بسحر ساحر خلال خلوة لحسابهم وعلى حساب المواطن طبعاً ودائماً. فإلى متى نبقى نسمع "حفلات نشر الغسيل" دون ان نعرف حقيقة ما يجري بالاسماء والتفاصيل؟ أين دولة المؤسسات؟ أين الشفافية والقانون؟ من حقنا ومن واجبكم في الدولة، ان تقولوا للشعب حقيقة ما يجري وان تسموا الأمور بأسمائها وان لا تخفوا الحقائق".

(من افتتاحية 22 حزيران 2001 تحت عنوان "تذكّروا وعودكم للخائبين...")

• ما هي الرسالة التي يوجهها جبران تويني الى الحكومة اللبنانية؟

"قلناها ونعود فنقولها: ليس المهم من يترأس الحكومة بل الاهم هو شكلها وبرنامجها. والاهم من مصالحة الحريري مع فخامة الرئيس، بل الاهم من قيام مشروع ترويكا جديد يعيدنا الى ايام العهد الماضي، هو حكومة تصالح اللبنانيين بعضهم مع بعض، وتصالحهم مع دولتهم، لخلق اجواء داخلية سليمة تمكننا من مواجهة الاخطار والاستحقاقات الاقليمية. لذلك نعود لنؤكد ان المطلوب وحدة من تحت، اي من القاعدة الشعبية، وليس وحدة من فوق بين الرؤساء. لقد حان للبلاد ان تنعم بحكومة ذات مصداقية شعبية تستطيع ان تلزم جميع اللبنانيين وتكتلهم الى جانب الرئيس والقرارات الحكومية المصيرية التي ستتخذها الدولة لمواجهة الكارثة الاقتصادية والاخطار الاقليمية".

(من افتتاحية 25 تشرين الأول 2000 تحت عنوان "حكومة مصالحة أم مشكلة جديدة")

• اللبنانيون على مشارف استحقاقٍ نيابي في أيار 2018. كيف يقرأ جبران تويني مسار العملية الانتخابية في ظلّ بدء تبلور صورة التحالفات السياسية والمرشحين المرتقبين؟

"لا رؤية ولا آفاق ولا جدية، وكأن الامر مجرد استعراض صُوَري مشهدي في كوميديا لا تُضحك!... حتى الانتخابات البلدية كانت أفضل! هل تغيّر مفهوم المرشحين للنيابة؟ أم هي علامات الاضمحلال و"عولمة الضحالة" في كل شيء، وطبعاً في الحياة النيابية؟ هل نسي المرشحون ان النيابة تعني تقرير مصير الوطن تشريعا ورقابة وديموقراطية؟ المجلس النيابي يشرّع القوانين ويعدل الدساتير، يحصن الاستقلال او يقرر ويقر بالوحدة او... التبعية! حتى اليوم ما نراه لا يتعدى الزيارات و"الواجبات" وحضور الاعراس والمآتم والمآدب، ومباراة الابتسام في الصور. ما نراه اليوم لا يدور حول مشروع سياسي ولا يستفتي المواطنين حول كفاءة المرشحين ومؤهلاتهم، بل حول "المغلف" وكم من الدولارات فيه، والواسطة و"كميون الزفت". والمؤسف هو ان المواطن لا يعي اهمية الانتخابات ودور النائب ولا يعرف ان صوته الذي قد يتخلى عنه او يجيّره بمئة دولار او بكميون زفت او بحص قد يكلف الوطن وجوده وبقاءه ووجود هذا المواطن بالذات وبقاءه".

(من افتتاحية 6 تموز 2000 تحت عنوان "مجلس مصالحة أم... جهاز!؟")

• في رأيك، كيف يمكن المواطن اللبناني ان يدرك فعلاً أهمية الاستحقاق الانتخابي لتغيير مصيره نحو الأفضل والتخلي عن الانسياق في موجة القطيع لاعتبارات، مذهبية كانت ام مادية؟

"المؤسف هو ان الدولة لا تساهم في توعية المواطن ومساعدته كي لا يستسلم للرشوة. وافضل وسيلة كان يمكن استعمالها لقطع دابر الرشوة هي ان تقوم الدولة بتحريك الوضع الاجتماعي وتعمل على تأمين مجانية التعليم والطبابة والاستشفاء. كان على الدولة ان تساعد المواطن بحملات توعية وليس بتأييد - ولو مبطّن - لبعض المرشحين الذين لا قيمة لهم الا كونهم "اصدقاء" السلطة. هل يجوز ان تصبح الانتخابات مهرجاناً هزلياً مؤسفاً يجعل قرف المواطن يبلغ ذروته في صورة قياسية لم يعرفها تاريخ لبنان؟ نحن بحاجة الى تغيير جذري على مستوى المجلس النيابي وعلى مستوى الحكومة وعلى مستوى نهج الحكم والتعاطي مع الشعب. والتغيير لا يمكن ان يكون إلاّ بانتخابات نزيهة وحرة يخوضها مرشحون "حقيقيون" عن الشعب لا اسماء ملوّنة لصور ملوّنة. ولكن ما نراه اليوم لا يشجع، فلا البوسطات الائتلافية تشجع، ولا "الحرتقات" المفتعلة للضغط من هنا او هناك تشجع، ولا لغة المرشحين تشجع".

(من افتتاحية 6 تموز 2000 تحت عنوان "مجلس مصالحة أم... إجهاز !؟")

• ما هي رسالتك للمرشحين للانتخابات النيابية المقبلة؟

"علينا اليوم أن نكسب من جديد ثقة الشعب، ولا سيما ثقة الجيل الجديد بإخراجه من حالة الخيبة الى الثقة المتجددة بمستقبل الوطن. إنه التحدي الكبير، بل التحدي الأكبر، الذي سيواجه المجلس الجديد. وهذا التحدي لا يرد عليه بالأقوال فقط، بل بمواقف واضحة مقرونة بأفعال حقيقية، كي لا تبقى المواقف والوعود مجرد حبر على ورق! ونتمنى على جميع المعنيين أن يكفوا عن التراشق الكلامي الرخيص ووضع حد لحملات التحريض والتخوين المدمرة، واتخاذ مبادرات من شأنها إقامة تعاون كامل وشامل في ما بينهم لإنجاز الإصلاحات الضرورية وتحصين الوحدة واستكمال المصالحة الوطنية. فوحدتنا هي حصانتنا وضماننا الحقيقي. فالوطن يستوعب الجميع وهو في حاجة الى جميع الأفرقاء، إذا أردنا فعلاً أن نباشر ورشة جدية للاصلاح والتغيير والبناء. وربما كان المطلوب أولاً حوار حول البرامج لا مبارزات من أجل كسب شعبية. المطلوب حوار حول برامج وأفكار واضحة تُطرح ديموقراطياً من خلال المؤسسات، بعيداً عن التشنجات والديماغوجيا المبتذلة".

(من افتتاحية 23 حزيران 2005 تحت عنوان "جدول الأولويات يبدأ بالرؤوس")

• واجه لبنان ولا يزال خطر الإرهاب التكفيري. كيف يفسّر جبران تويني ظاهرة "داعش" التي تهدد العالم؟

"لبنان اكثر من دفع ثمن الارهاب العالمي، فكان ولأكثر من مرة ساحة لفصوله. ولكن يجب ان لا ننسى ان هذا الارهاب كان صنيعة اكثرية دول العالم وعلى رأسها الولايات المتحدة الاميركية، فضلاً عن انه كان الوسيلة المعتمدة لتطبيق نظرية الحروب البديلة، على ساحات بديلة مرحلة الحرب الباردة، وقبل سقوط الاتحاد السوفياتي وجدار برلين. اليوم، وبعد انتهاء الحرب الباردة، ومع قيام النظام العالمي الجديد، اذا بالارهاب يتمرد على من ساهم في ولادته وتنشئته ويكوّن لنفسه استقلالية ذاتية ويصنع حروبه الخاصة انطلاقا من شعارات متطرفة تنسب نفسها الى الدين ولا علاقة لها بجوهر الدين ولا بتعاليمه ولا بوصاياه".

(من افتتاحية 20 أيلول 2001 تحت عنوان "القرار المناسب... لبنانياً")

* كيف تقرأ قرار الرئيس الاميركي دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لاسرائيل؟

"ما يحصل اليوم في الشرق الاوسط خطير ومصيري. فالمرحلة دقيقة. نحن على مفترق قد يقرر لا مصير المستقبل الفلسطيني وحده بل مستقبل المنطقة اجمع بما فيها، وربما في طليعتها، لبنان. ... ويا للصدفة ان يأتي الحل المقترح الجديد - القديم متوِّجاً لسنة ومفتتحاً لسنة جديدة، سنة مصيرية قد تتطلب من اللبنانيين خصوصاً - مسؤولين وشعباً - وعياً تاماً وتوحيداً للصفوف كي لا ندفع الثمن - كالعادة - وكي لا يكون الحل - اي حل - على حسابنا وحساب وحدتنا وهويتنا".

• لا يزال اللبنانيون يواجهون أزمات بيئية واقتصادية تلقي بثقل ارتداداتها عليهم كان آخرها أكثر من أزمة بيئية عصفت بهم في السنوات الأخيرة. أين يكمن الخلل في رأيك؟

"يتكلّمون على اغلاق الكسارات وعلى اغلاق بنوك تبييض الاموال وعلى اغلاق ملفات السرقات وابواب الصفقات، يتكلمون ويعقدون جلسات استجواب تتحوّل كالعادة الى سيرك ينتهي بحفلة رفع الايدي...

أليس هذا في ذاته جريمة بحق الوطن والمواطن تستحق اتخاذ التدابير المناسبة بحق كل مسؤول عن التقصير من اجل وضع حد لهذا التقصير بدلا من البحث عن "تدابير" لتمديد التقصير وتغطية الفضائح والجرائم. يتكلمون ويتكلمون وكل كلامهم طبخة بحص على صورة كساراتهم، بل طبخة كذب وتكاذب حتى لا نقول - بل نقول: تباغض ! يتكلمون، اما الشعب فليس لديه الا امنية واحدة وهي "اقفال" هذه الدولة المهترئة والمرتكبة والشريكة في كل جرم وجريمة، هذه الدولة التي تآمرت عليه واقفلت في وجهه ابواب الحياة والكرامة والسيادة والامل بمستقبل مريح".

(من افتتاحية 17 تموز 2003 تحت عنوان "المبيّضون والمسوّدون !...")


• في ظلّ الرواج الدائم لموجات الخطابات الشعبوية التي تتخّذ منحى طائفيا في لبنان، بالأخص في زمن الانتخابات، هل يتخوّف جبران تويني على السلم الأهلي؟

"وهل يمكن اعتبار الوضع السياسي اللبناني الداخلي سليما في ظل التخبط والتراشق والفولكلور الذي نعيشه يوميا؟ هل يمكن اعتبار السلم الاهلي بألف خير، والوحدة محصّنة والمحبة تعم القلوب تماما كالاطمئنان، والشفافية مطبقة على كل المستويات؟ وهل الكلام الكاذب ولغة البلف التي نسمعها كل يوم على لسان السياسيين، كل السياسيين، بعد كل جولة تراشق وقصف وتخوين، هل هذا الكلام وهذه اللغة يكفيان لاقناعنا بأن البلاد بألف خير؟ بماذا نبدأ؟ بعلاقة الرؤساء الثلاثة؟ ام نبدأ بكلام النائب جنبلاط المتقلب والمتغيّر تماما كتحالفاته التي تتقلب حسب مجرى الرياح الاقليمية والدولية؟".

(من افتتاحية 4 تموز 2002 تحت عنوان "هل من يَسْمع !؟")

• بعد مرور 13 عاماً على الاستشهاد، هل استُحقت هذه التضحية بالذات في سبيل قيامة لبنان؟

"ألم يستسلم المسيح للعذاب وللصلب حتى "الموت" ليبرهن للكون ان القيامة حقيقية وانها رسالة من أجل الحق والحقيقة... فقام من بين الأموات؟ كم مرة قالوا ان لبنان مات!... وبالفعل لم يمت، بل قام هو ايضاً من بين الأموات ليؤكد حقه في الاستمرار حرّاً سيّداً مستقلاً، وليؤكد خصوصاً رسالتَه ودورَه في نشر تلك الرسالة المبنية على الحوار والمحبّة والإشعاع!".

(من افتتاحية 29 أيلول 2005 تحت عنوان "لا قيامة من دون موت")

...كانت المقابلة لتطول أكثر. لكن الوقت كان قد تأخر كثيراً. نظرتُ الى الصورة وقلت أنه بات علي العودة الى المنزل. وكان الرد أنه يمكنني ساعة أشاء أن أزوره. وأنا عائدٌ أدراجي، كنت مذهولا. فاجأني جبران بأنه يعلم كلّ شيء. أخبرني الحقيقة بدل أن أخبره، وبحزن.


Digital solutions by