Digital solutions by

... وفي عيد الاستقلال طويت الاستقالة وبدأت مفاعيلها السياسية

22 تشرين الثاني 2017 | 14:13

المصدر: "النهار"

18 يوماً بين الإعلان المريب والضاغط لاستقالة رئيس الحكومة سعد الحريري من الرياض، وبين إعلانه "المرتاح" من قصر بعبدا اليوم عن تريثه في تقديمها الى رئيس الجمهورية (وفق الأصول الدستورية التي خرج عنها الإعلان من الرياض)، حملت الكثير من التطورات والمعطيات التي غيرت المشهد المأزوم وخففت من أخطار الأزمة السياسية المنفجرة على وقع الاستقالة من دون أن تنهي مفاعيل هذه الأزمة التي بدأت منذ اليوم تلقي بثقلها على المشهد السياسي الداخلي، تحت وطأة بدء معركة استعادة التوازن في ميزان القوى الإقليمي على الساحة الداخلية.

وعلى أهمية الوساطة الغربية التي قادتها فرنسا لـ "الإفراج" عن الحريري، وتلك العربية التي قادتها مصر منذ اعلان الاستقالة وصولاً الى البيان "المخفف" لوزراء الخارجية العرب في القاهرة والذي نجح في تحييد الحكومة عن توصيفها بحكومة "حزب الله" وعن تحميلها مسؤولية افعال الحزب، كما كانت مسودة البيان تنص، فإن تحسس طهران ومعها الحزب لحجم الأزمة، وما ستستتبعه من تداعيات خطيرة على صعيد رفع مستوى المواجهة الى اقصاه، قد شكل عاملاً مهماً جداً في الوصول الى النتيجة الآيلة الى تريث الحريري في استقالته.

والواقع أنه لا يمكن إغفال المواقف الاخيرة للأمين العام لـ "حزب الله" السيد حسن نصرالله، الذي بدأ اولاً باحتواء الاستقالة، رافضاً الخوض في اي نقاش قبل عودة الحريري، وصولاً الى نفيه تدخل حزبه في اليمن او في مسألة الصواريخ الباليستية. والمعلوم ان الصاروخ الذي استهدف الرياض شكل الشعرة التي قصمت ظهر البعير بالنسبة الى المملكة، بحيث ارتفعت حدة التصعيد منذ ان لمست الرياض أن الصراع بدأ يخترق عمقها الداخلي.

في القراءة الأولية لإعلان الحريري، مجموعة من الخلاصات التي ستساهم في فهم عناوين المرحلة المقبلة:

 - ان التريث يعني عملياً العودة عن الاستقالة. وكان الحريري واضحاً عندما استعمل في بيانه المكتوب مصطلح "عرضت على فخامة الرئيس"، وليس " قدمت لفخامة الرئيس". وبين العرض والتقديم فرق كبير يجعل الاستقالة غير منجزة بالمفهوم الدستوري، وتقتصر في مثل هذه الحالة على " العرض".

- ان الحريري بإعلانه التريث وليس العودة عما أعلنه من الرياض، ترك سيف الاستقالة مصلتاً فوق رؤوس الجميع، واضعاً الجميع من الحلفاء والخصوم، امام مسؤولية تحمل تبعات مواقفهم، في إطار استعادة التوازن ومنع الانزلاق المتمادي في المحور الايراني. وقد جاء الاجتماع المسائي لقوى 8 آذار امس والذي امتد لساعات الفجر الاولى ليؤكد على قلق هذا الفريق من التطورات الاخيرة وضرورة تقديم الضمانات الكفيلة بطمأنة السعودية بأن لبنان لن يكون منبراً او منصة لاستهدافها.

- بدا واضحاً من الكلمة المكتوبة التي قرأها الحريري من قصر بعبدا بعد خلوته برئيس الجمهورية أن ثمة اتفاقاً مسبقاً أو على الاقل قراراً مسبقاً لدى الحريري في هذا الخصوص، وان موقفه لم يأتِ نتيجة تشاوره مع الرئيس. ولا يسقط هذا الامر ان تشاوراً قد حصل قبل الخلوة، وساهم في هذا الموقف.

- لا يمكن إسقاط زيارة الحريري الى قبرص في طريق عودته من القاهرة الى بيروت من الحسبان، في ظل الغموض الذي أحاطها واللقاءات غير المعلنة التي عقدها هناك، وطبعا ليس مع مسؤولين قبارصة!

- تخفيف حدة النبرة التصعيدية لـ "حزب الله" وحتى لإيران، وآخرها كلام الرئيس الايراني روحاني وفيه تأكيد على اهمية استقرار لبنان، تواكب مع توقف تغريدات وزير الدولة لشؤون الخليج ثامر السبهان.

- بات أكيدا ان الاحتضان الداخلي للحريري قد فعل فعله، تماماً كما الدعم الدولي الذي اكد على المظلة الدولية التي ترعى الاستقرار الداخلي وتحصِنُه، كما ترعى وجود الحريري على رأس الحكومة، ممثلاً اولاً لطائفته.

وعليه، فإن الاستقالة، وبقطع النظر عن حيثياتها وأسلوبها، قد فعلت فعلها وقلبت الطاولة وأدت الى مشهد داخلي جديد، لا يحصنه الا القراءة المتمعنة للحريري في الدرجة الاولى ولشركائه في الحكم في الدرجة الثانية للعبر والدروس المستخلصة منها، واهمها ان منطق الغلبة لا يصلح في لبنان، المحكوم دائماً بمنطق التسويات. وان دخول الحريري الى التسوية لم يكن على اساس هزيمة فريق وانتصار آخر.

sabine.oueiss@annahar.com.lb


Digital solutions by