Digital solutions by

لقد خسرتُ النشيد والمنشدين وخسرتُ الاستقلال والمستقلين!

21 تشرين الثاني 2017 | 14:44

المصدر: "النهار"

اللوحة لمنصور الهبر.

لا أزال أتذكر نفسي يوم كنتُ تلميذاً صغيراً، آن كنا نستهلّ يومنا الدراسي بالنشيد الوطني اللبناني.  

كانت المدرسة آنذاك بيتاً وطنياً بامتياز، وكنا نفعل ذلك بشغفٍ وطني، مقرونٍ بحالٍ من الرهبة، توازي فعل التقديس.

لم يكن الإنشاد ذاك، عملاً فولكلورياً، عرفياً، روتينياً، وتقليدياً، بل كان يندرج في صلب المهمة التربوية، لاعتقاد المسؤولين التربويين عنا بأن مسؤولية المدرسة، كمسؤولية البيت العائلي، لا تقتصر على التعلّم والتهذيب، بل تعتبر التنشئة الوطنية في صلب أولوياتها، محرَّرةً من كلّ اعتبارٍ آخر، طائفي، أو مذهبي، أو سوى ذلك من الاعتبارات.

كان ثمة مشروع دولة آنذاك، وكنا نعشق الوطن، باعتباره السقف الكياني - الوجداني – الروحي – الفلسفي - المادي، الذي نعيش تحته. وكان النشيد رمزاً لهذا الوطن.

مرّت الأيام بنا، بالنشيد، وبالوطن، وبمشروع الدولة. تغيّر مفهوم البيت العائلي إلى حدود مفجعة، ودخلت على معيار البيت المدرسي معطيات سلبية جمّة، وتبخر مشروع الدولة، فلم يعد النشيد هو النشيد، ولا الوطن هو الوطن، ولا الدولة هي الدولة، ولا القيم هي القيم... إلاّ نادراً واستثنائياً.

أتدارك مؤكداً أني لا أسمح لنفسي بتعميم هذا الاستنتاج المظلم، مدركاً أن ثمة في البيت العائلي والبيت المدرسي حصوناً لا تزعزعها الأهواء والغرائز والصعوبات والمغريات والموجات، أياً تكن.

أما مشروع الدولة فلم يبقَ منه إلاّ مؤسساته الحكومية التي باتت بؤراً محصّنةً للفساد والنهب والمحسوبية والطائفية والمذهبية.

وأراني اليوم، في عيد الاستقلال هذا، أُنصتُ إلى ترددات النشيد في روحي، فأستعيد ذاك الزمن، الذي لم يبق منه إلاّ الحشرجات والمرارات.

وأجدني أمام الاحتفال الرسمي بعيد الاستقلال، فلا أرى استقلالاً ولا مستقلين، بل محض فولكلور يضاعف الحشرجات والمرارات.

أيّ استقلالٍ هو هذا، والدولة فينا، ممثلةً بالمؤسسات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وبالمسؤولين فيها، لا تستطيع أن تعرب عن الاعتزاز الوطني بذاتها، وبأعمالها، وممارساتها، بل نجدها في مهبّات الانتماءات والولاءات والانقيادات اللاوطنية.

لم يترك لنا "الخارج" أيّ كرامة. ولم نُبدِ، نحن، أيّ اعتراضٍ على زوال الكرامة.

فأيّ استقلالٍ، وأيّ مستقلين؟!

من المفجع حقاً لتلميذٍ سابقٍ تنشّأ تلك التنشئة، وصار اليوم "مواطناً" في ذروة العمر، أن يشعر بالغربة والاغتراب عن النشيد والمنشدين، وعن الاحتفال والمحتفلين.

أشعر حقاً بأني خسرتُ النشيد، وخسرتُ المنشدين.

لأني أشعر حقاً بأني خسرتُ الاستقلال، وخسرتُ المستقلين!

akl.awit@annahar.com.lb


Digital solutions by