Digital solutions by

سيرة محيي الدين ابن عربي في "موت صغير"

11 أيلول 2017 | 12:26

في نهاية المقدّمة، الصفحةَ الثالثة ورد عن الكاتب "بسم الله الرحمن الرحيم، قال السالك محيي الدين بن عربي..."، أدركت حينها أنني أمام كتاب ذي شأن عظيم، وأنني سأغرق لبضعة أيام في ملف بي دي أف أحمّله على جهاز هاتف ذي ذاكرة محدودة (حسناً، لا ضير من الاعتراف بأني قرأت الكتاب بنسخته الإلكترونية لا الورقية الأصلية، كما أفعل أغلب الأحيان).  

بضعة أيام تقلّصت إلى ليلتين! أكثر ما كان يوقفني عن قراءاتي البطارية ذات العمر المحدود أيضاً.

ليلتين بصحبة ابن عربي الإنسان، الإنسان البسيط الذي بحث وتاه ووجد، أحبّ وأمقت، تذبذب بين الروح والنفس، عشق وسكر وتململ، دنا وبعُد، تاه وارتاح وتعب، تعلّق وتحرّر، أخطأ وأصاب، تمنّى وتعلّق.. لا سرد لأفكاره المتصوفة، لا دفاع، لا هجوم، فقط ذاك الإنسان الذي تذبذب ومال وانجذب قبل أن يصبح ابن عربي الذي نعرف أو نسمع عنه على الأقلّ، وكان في اللامبالغة وقعٌ راقٍ لذيذ.

لا يهمّ إن كنت تتابع أفكار ابن عربي وتتبنّاها، لا يهمّ إن كنت تؤمن بمبدأ الحلول بين الخلق والخالق أم تكفّره، لا يهمّ فعلاً إن كنت تدري أصلاً من هو ابن عربي، لأنك ستعرفه حتماً وتصادقه ما شاء لك الله من زمن. ما يهمّ فعلاً هو نفحات الصفاء الروحي العفوي المنشود في دنيا لا ندري فيها أنتبع العقل أو القلب؟ علينا أن نتبع العقل حتى يكتمل القلب وتزول حجبه! وهذه هي القاعدة الأولى في حياة شيخ العارفين، حيث دلّت مرضعته مراراً على موضع قلبه وأوصته بأن "طهّر هذا ثم اتبعه".

ليلتين مع الترحال والبحث والتيه، الجغرافيا والسياسة وتاريخ الأندلس، الحوارات الملتهبة والمؤثرة والكثير من الحبّ.. الحبّ الذي قال فيه إنه "موت صغير".

و"كلّ شيء يمرّ به الإنسان في حياته لا بدّ منه، كل شأن هو ضرورة، كل حدث هو حاجة ملحّة. كل أمر نمرّ به من فرح أو حزن، من سلم أو حرب، من حبّ أو كره، هو نَفَسٌ من أنفاسنا لو لم نمرّ به لاختنقنا وعدنا إلى العدم".

ملاحظة: مقالتي لا تعدّ نقداً للكتاب بقدر ما هي تجربتي الشخصيّة معه.


Digital solutions by