Digital solutions by

“البندقية ٧٤” - “قضية رقم ٢٣” لزياد دويري: الظالمون والمظلومون يتناوبون الأدوار

1 أيلول 2017 | 00:47

المصدر: "النهار"

شتيمة يوجهها شخص إلى آخر تتحول قضية رأي عام وتكاد تشعل نيران الحرب الأهلية من جديد، ناكئة جراج الماضي القريب البعيد.

هكذا يمكن اختصار “قضية رقم ٢٣”، أحدث أفلام المخرج اللبناني #زياد_دويري (مستوحى من حادثة شخصية)، المشارك في مسابقة الدورة الحالية من #مهرجان_البندقية السينمائي المنطلق أمس والمستمر حتى التاسع من الشهر المقبل، على أن يُستعاد في تورونتو وتيللوريد بعده. الا أن قراءة ممعنة في التفاصيل الكثيرة التي يوفرها الفيلم تشهد على مضمون آخر مملوء بالإحالات والملفات الفرعية التي منها يتشكّل ثراء العمل الداعي لمصالحة وطنية تضمن بناء مستقبل يستوعب الأضداد.

مرة أخرى، يختار دويري (١٩٦٣) المواجهة والطرح الجريء، فلا تحرجه تسمية الأشياء بمسمياتها ولا اعادة فتح صفحات سود من التاريخ اللبناني الحديث الذي لا تزال وطأته ثقيلة على الحاضر. يواصل التنقيب في موضوع سجالي، متجاهلاً كلّ المهاترات التي تسبب بها فيلمه السابق، “الصدمة”. وليس مستبعداً أن تكون هي السبب الذي دفعه لإنجاز هذا الفيلم. فالتهم التي وُجّهت اليه من فريق سياسي معين تتماهى إلى حدّ بعيد مع التهم التي يُرشق بها “بطله المضاد” طوني. أياً يكن، فيلم كـ”الصدمة” كان ضرورياً للعبور إلى مرحلة أكثر نضوجاً واكتمالاً في مسيرته.

كلّ شيء يبدأ في حيّ فسوح (الأشرفية)، معقل المسيحيين. طوني حنّا (عادل كرم) يسقي الزهور على شرفته، عندما تسقط قطرات مياه على رأس مهندس (ياسر - كامل الباشا) كُلِّف مهمة  ازالة المخالفات. يرفض طوني الاستماع إلى مطلب ياسر، لا بل يحطّم القسطل الذي ركّبه. فتتطور المشكلة إلى مشادة كلامية تنتهي بشتم ياسر لطوني. الأمر الذي يعتبره إهانة كبرى له ولكرامة الرجل الشهم الذي يمثّله، فيطالبه بالاعتذار… الا أنه عندما يقرر الاعتذار، بعد رجاء طويل من ربّ عمله (مقاول يأتمر من نائب المنطقة - طلال الجردي)، يُشهر طوني في وجهه أحط ما لديه: “يا ريت شارون محاكن عن بكرة ابيكن”…


هذه الجملة الانتقامية بكلّ ما تحمله من كراهية وضغينة هي الصفحة البيضاء التي يعمل عليها الفيلم ليكون حكماً بين طرفين يتشابهان إلى حدّ مخيف، على الرغم من اختلافهما. دويري الذي أظهر في فيلمه السابق “الصدمة” كيف تحوّلت فلسطينية إلى انتحارية رغبةً في الانتقام، يستمر في معالجته هذا النوع من الثنائيات. فيرينا هنا كيف أنّ الشخص المحق في مكان ظالم في مكان آخر، وهكذا تاريخ المنطقة كلّها: الأردن ولبنان وسوريا وفلسطين، نادٍ مغلق من الظالمين والمظلومين يتناوبون الأدوار.

طوني "قوّاتي" متعصب، من الصنف الذي حفظ خطب بشير الجميّل جيداً. زوجته (ريتا حايك) تنتظر مولوداً.إنه رجل على قدر من الاحتقان، يتحدّر من الطبقة العاملة. الحادثة ستعيد ترتيب الأولويات في حياته. هو مقتنع بأنّ الدعوى القضائية التي يرفعها ضد ياسر تخدم مصلحة مولوده. مع ذلك، فهو حالة غير ميؤوس منها، في داخله معدن شخص جيد، أي انه يمكن انتزاعه من براثن الطائفية والحقد الذي تغلغل فيه نتيجة البيئة التي شبّ فيها والأحداث التي توالت أمامه. اللافت انه كلمّا حاول الاعتراف بذنبه ولو قليلاً، انقضّ عليه بعض ممن حوله ومّدوه بالضغينة. في اجتماع مع محامٍ يتبنى قضيته (كميل سلامة في أداء فاتن)، يعترف بذنبه، الا ان المحامي لا يحمّسه على ذلك، في إشارة واضحة إلى ما يقوله الفيلم: منطق الجماعة والخوف من الآخر يغذيان التعصب ويقفزان بـ”ضحيتهما” فوق العدالة الاجتماعية. وبهذا المعنى “قضية رقم ٢٣” فيلم جماعي جداً؛ هناك الذين يناصرون القضية الفلسطينية ويحتكرون المأساة، في مقابل الذين يعتقدون ان لبنان سيتحول جنة في اللحظة التي سيتم "تنظيفه" منهم.

في وجه طوني، يقف ياسر، بكامل نبله وروعته. انه الفلسطيني الصامت الذي لا يقول من الكلام سوى ما يلزم لصون كرامته، أو ربما أقل.

ما يثير الإعجاب هنا هو المسافة التي يصوّر منها دويري القضية برمتها، هو الذي “رضع القضية الفلسطينية مع الحليب”، راجع منذ فترة مواقفه كلها، خصوصاً تلك التي تتعلق بالخصم “التاريخي”، أي الأحزاب المسيحية. فهو في هذا الفيلم “رِجل في الخارج ورِجل في الداخل”، وما هذا سوى تعبير عن افرازات مرحلة سقطت فيها أحلام كثيرة وكُشفت ألاعيب عدة. عين المراقب الفذّ هي التي تنتصر في النهاية. يحذو دويري حذو الكثير من السينمائيين الذين يؤمنون بأنّ لكلٍ أسبابه وحججه التي تجعله يتصرف على النحو الذي يتصرف به. فياسر هو الرجل المشرد بلا وطن يؤويه، في حين أنّ طوني هو الآخر لاجئ داخل بلاده (لن نقول المزيد عن هذا التفصيل في القصة خشية افساد المفاجأة)، وكلاهما يتناطح في المحكمة أمام قاضٍ يسهر على العدالة ضمن نظام موبوء وريث جرائم حرب ومجازر، يريد توظيف خلاف بين شخصين لمصالح سياسية باهتة.

طوني وياسر في النهاية شخص واحد. مَن تفوته هذه الحقيقة قد يجد صعوبة في الدخول إلى عمق الفيلم المنطوي على لحظات طرافة بقدر ما هناك أسى ومآسٍ. يختار النصّ (تأليف دويري وجويل توما)، التنقيب في مناطق ملتبسة وهدم الحدود التقليدية بين الشخصيات. لا تجدون هنا أشراراً أو خيرين، الكلّ ضحايا. أحدٌ ليس مخيراً سوى المتلاعبين بحياة البشر ومآسيهم. يعرف السيناريو كيف يلتقط ذلك التفاصيل في الكاراكتير اللبناني. شيء لا يعرفه الا مَن عاش في لبنان وعرفه عن كثب. هذا الكاراكتير الذي يحوّل عدو الأمس صديق اليوم، والعكس. صحوة ضمير أو صوت من الداخل، وقد تتغير علاقتنا بالآخر. وكما أسلفنا، لكلٍ سيرته ومعاناته وتجربته التي تبرر له التصرف على هذا النحو وتوصله إلى ما هو عليه. دويري يساوي بين الكلّ تقريباً، ولا ينتشل أحداً من هذه المعمعة الرهيبة، تاركاً نافذة آمل ضئيل مفتوحة على الغد.




Digital solutions by