Digital solutions by

كانّ 70- "من العدم": فاتي أكين في فخ الانتقام والتبسيط

27 أيار 2017 | 21:47

المصدر: "النهار"

بعد العثمانيين، يطارد فاتي أكين النازيين الجدد في ألمانيا. 

ليس مؤكداً أنه سيصل الى نتيجة.

الحكاية: حياة كاتيا (ديان كروغر) تنقلب رأساً على عقب بعد مقتل زوجها وابنها في تفجير. هكذا يمكن اختصار حبكة “من العدم”، أحدث أفلام المخرج الألماني من أصل تركي فاتي أكين المشارك في مسابقة الدورة السبعين من #مهرجان_كانّ السينمائي (١٧-٢٨ الجاري). إلا أنّ الأمور ستتعقد عندما يرمينا الفيلم في جلسات قضائية طويلة، ستكون مجحفة في حق الضحايا، ما سيدفع بكاتيا الى أخد حقها بنفسها. ثمة معلومة مهمة: زوج كاتيا مسلم من أصول كردية، وهذا ليس تفصيلاً، لأن المعتدين المفترضين ينتمون الى خلية تتألف من نازيين جدد.

عندما تبدأ المحاكمة، يعتبر القضاء أنّ التفجير خلفيته تصفية حسابات بين مافيات ترويج المخدرات، بناءً على ماضي الزوج (كان محكوماً بتهمة الاتجار بالمخدرات). إلا أنّ كاتيا مقتنعة بأنّ الجريمة جاءت بتوقيع تنظيم نيونازي.

لا غبار على قدرة أكين في إنجاز فيلم ديناميكي. فهو يجتهد في اتمام فيلم ترفيهي يكون في الحين عينه وثيقة اجتماعية مصوّرة بحساسية عالية كما كان الحال مع “هاد أون” أو “في الجانب الآخر”، وكلاهما عُرضا في كانّ. بهذا المعنى، “من العدم” مخيب. أولاً، المشكلة الحقيقية تكمن في أننا لا نملك الوقت المطلوب لنتعرف إلى الزوج والابن للبكاء على مصيرهما، أو على الأقل الاهتمام بهما. المشكلة الأخرى هي أنّ العلاقة بين كاتيا والضحيتين، مقطوعة الأوصال. لن نعرف عنها الكثير، تُختزل المسألة بأكملها برفض عائلتها كما عائلة الزوج علاقة ما بين الأعراق. لا يبذل أكين جهداً كبيراً للتعمّق فيها. لذلك، يبدو فيلمه تبسيطياً يقع في الخيارات السهلة.


لحسن حظنا، هناك ديان كروغر التي تعطي شرعية معينة للفيلم، وتنتشل بعض المَشاهد من رتابتها. بسببها نصدق بعض مما نصدقه. ولكن طبيعة دورها لا تساعدها كثيراً. فهي نصف واقعية ونصف أداة انتقام تشبه البطلات الخارقات. يقع أكين في خطاب خطير جداً: إيجاد مسوّغات للعنف، وتقديم حلّ بديل للإجراءات القانونية. هذا كلّه يبدو خطاباً تافهاً، وسط العنف والخراب الذي يعيشه العالم، لا سيما مع الإرهاب باسم الإسلام المتنقل من عاصمة الى أخرى.

اكين الذي قدم فيلماً مفعماً بالإنسانية عن مجازر العثمانيين في "القطع"، يستسلم هنا لمستنقع الأفكار البليدة التي لا تقدم ولا تؤخر. فالعنف الذي يبرّره في آخر الفيلم ليس حلاً ولا يمكن الركون اليه.

استوحى أكين الخطوط العريضة للفيلم من الاعتدءات التي استهدفت ذوي الأصول المهاجرة في ألمانيا بين ٢٠٠٠ و٢٠٠٧. يروي: "أحد الضحايا كان يعيش بالقرب من مكان إقامتي في هامبورغ. إنه شخص كان أخي يلعب معه الكرة عندما كان أصغر سناً. هؤلاء كانوا يستهدفون ناساً يأتون من حيث آتي. كان يمكن أن أكون واحداً من ضحاياهم. التحقيقات أحدثت فضيحة لأن الشرطة اشتبهت بالضحايا، فاعتبرت الجرائم تصفية حسابات بين تجّار مخدرات. بالنسبة إليها، مصدر هذه الجرائم كان المافيا التركية”.

حقّق أكين في الاتهامات الموجّهة الى الضحايا ووجد أنهم أبرياء. أراد نصاً سينمائياً على نسق ما قدمه كوستا غافراس في بعض أفلامه. السيناريو الذي أفلمه لا يروي القضية المعينة التي لم تنتهِ إلى الآن فصولها، بل يستوحي منها. في شخصية كاتيا (التي كان يُفترض أن تكون رجلاً في البداية قبل أن يحوّلها إلى امرأة)، هناك كل مخاوف أكين وغضبه. عن مشهد الانتقام في آخر الفيلم، يقول: "منذ زمن بعيد، كنت أنوي إنجاز فيلم انتقام، لأنني، كمشاهد، أرى من هذه الافلام الكثير. الانتقام غريزة قديمة، له حضور في العهد القديم. شخصياً، لستُ مع الإعدام. سأكرّر ما قاله جورج كلوني في فيلمه “الخامس عشر من آذار”. يُسأل: "هل أنتَ مع الإعدام؟”. يقول “لا”. فيسألونه: “ما الذي تفعله إذا قتل أحدهم أولادك؟”. فيقول: “سأقتل هذا الشخص وأذهب إلى السجن. على المجتمع أن يكون أذكى من الأفراد”. أوافق على هذا الطرح”.

عن صعود اليمين المتطرّف، يقول أكين: "هناك تغيير حاصل في كل أوروبا والعالم. العولمة تحدٍّ يخيف كثيرين. هناك خوف معولم بدوره يقود إلى الانعزال ورفض الآخر. حدث أنّ هذا الخوف ظهر في ألمانيا في العشرينات. في المدارس، يعلّمون الأولاد ما الات اليه البلاد نتيجة ذلك: الرايخ الثالث. النازيون الجدد في ألمانيا اليوم قلّما عولجوا في السينما. طبعاً، لا يزال هناك عدد لا يحصى من الأفلام عن الحرب العالمية الثانية. شخصياً، لم أعد أحتمل هذا. لأنّ النازيين في ألمانيا، نجدهم اليوم".


Digital solutions by