Digital solutions by

كانّ 70- "قتل الغزال المقدّس": حكاية انتقام على طريقة يورغوس لانثيموس

23 أيار 2017 | 19:06

المصدر: "النهار"

في مكان مكفهرّ عبثي أشبه بعالم موازٍ، تجري حوادث الفيلم الجديد ليورغوس لانثيموس، "قتل الغزال المقدس"، المعروض في مسابقة الدورة السبعين من #مهرجان_كانّ السينمائي (١٧-٢٨ الجاري). فيلمه "سرطان البحر" الفائز بحائزة لجنة التحكيم قبل عامين، جاء بعد سلسلة أفلام صادمة، وفتح له أبواب السينما الناطقة بالإنكليزية بموازنتها الأكبر وانتشارها الأوسع ونجومها الذين تُفرش أمامهم السجادة الحمراء أينما حلّو. لذا، يمكن الاطمئنان بأنه سُرق من بلده #اليونان! 

فموهبة كموهبته تُعتَبر منجماً للذهب خلف البحار...

جديده، من تمثيل نيكول كيدمان وكولين فارل (سبق أن مثّل في "سرطان البحر")، يحمل المُشاهد، ضمن أجواء مشحونة ومتوتّرة ومناخات ضاغطة، إلى عائلة تتألف من أب وزوجته وولديهما. كل شيء يبدو طبيعياً، الا أنّ خلف جدران الفيللا والمظاهر الأنيقة والسيارة الفارهة وكل هذا "البرستيج" الاجتماعي، ثمة الكثير من الأسرار التي سيكشفها لانثيموس تباعاً، ليس من دون خضّات مريعة وانهيارات تهزّ الفيلم برمّته. في هذا، يتشارك الفيلم مع "نهاية سعيدة" لميشائيل هانيكه العديد من الهواجس، منها تعرية المجتمع وإظهاره على حقيقته، بعد إزالة طبقات عدة من المسحوق عن وجوه شخوصه. قد يسود اعتقاد بأنّ التنكيل بالبورجوازية الغربية المعزولة في أبراجها وخلف ستار النجاح والتفوّق، موضة جديدة، إلا أنّه اعتقاد غير دقيق، لأنّ #السينما منذ ولادتها لم تتوقّف عن العبث بالطقبات الاجتماعية المرموقة، فهذا الفن ينبت جيداً في الأرضية التي تتيح خلق إشكالية بين الظاهر والخفي. والبورجوازية "جسمها لبّيس"!


ينبغي القول إنّ لانثيموس ينجح في مَهمة التعرية بأحطّ الأساليب وأكثرها غرابة، وذلك رغم صعوبتها. فحتى هانيكه طاش سهمه هذه المرة مع "نهاية سعيدة"، إذ لم يستطع الذهاب أبعد من خطابه المعهود، بل ظلّ يدور حول نفسه مستهلكاً كل ما صنع أهميته. لانثيموس نضر، يمتلك الصنعة الإخراجية، ولا يزال إلهامه في مكانه. يعرف ماذا يريد، والأغرب أنّه لديه قدرة عالية على الإقناع. فيلمه هذا يفتقر أيّ خلفية اجتماعية رصينة يمكن اللجوء إليها لشرح هذا أو ذاك. تعوم القصة في الفضاء (رغم حدوثها في أميركا)، ولا يمكن الركون لملامح البيئة المدينية لبناء استنتاجات.

ومع ذاك نقتنع بما نراه.

الفيلم برمته عن علاقة تنشأ بين طبيب جراح (فارل) وصبي في السادسة عشرة. ما الذي يربط أحدهما بالآخر؟ لن نعرف إلا بعد طول انتظار. منذ البداية، العلاقة على قدر من الغرابة واللبس، كأي شيء عند لانثيموس. الأجواء قاتمة وستزداد قتامة كلما تقدم الفيلم إلى الأمام، مع لحظات ذورة يستخدم فيها المخرج شريطاً صوتياً صاخباً. من حكاية تُختصر بجملتين، كان يمكن "تصفيتها" بربع ساعة، يصنع لانثيموس تمريناً إخراجياً حسّياً يُجرجره بطلعاته ونزلاته حتى النهاية، ويستحضر خلاله جبروته في الإغواء البصري والتقني، في إشاعة مناخات وتشكيل كادرات لم تألفها العين. زوم أو "سلو موشن" من هنا، لقطة جوية في مستشفى من هناك، وها إنّنا في فيلم رعب ثمانيناتي أضيفت اليه رشّة من البسيكولوجيا والقلق. تشبيع المَشاهد بمقطوعات كلاسيكية يضعنا في مزاج المعتقد أنّه سينهض في أي لحظة من حلم اليقظة الذي هو فيه. نحن في فيلم، ويدرك لانثيموس ذلك جيداً، فلا يجبر نفسه على ادعاء أيّ واقعية. فكل شيء يخرج من المنطق في القصة التي يرويها لنا، ذلك أنّ الدخول إلى عالمه يحتاج التخلي عن اقتناعات من خارج ذلك العالم.


مع ذلك، ثمة عناصر من خارج هذا العالم تردّنا إليه. فالطبيب الجراح الذي له علاقة دونية مع الصبي الذي "يرعاه"، كان مخموراً عندما أجرى جراحة لوالده، ومات على إثرها. فهل ما حصل كان خطأه؟ كل الفيلم يقع سجيناً لهذا السؤال، بدءاً من اللحظة التي تُطرح فيها تلك الفرضية، ويصبح العقاب الذي يترتّب على الطبيب جراء إهماله أمراً محتملاً. على هذا يبني لانثيموس خطابه الذي ينطوي على النفاق الاجتماعي والانتقام والإحساس بالذنب المعدوم عند البشر. عائلة الطبيب تصبح في مهبّ الريح فور دخول الملاك المدمر المجسَّد في ابن المريض المتوفى. من هنا فصاعداً، يمكن توقّع الأسوأ من البشر الذين يعودون الى حال بهيمية ما إن يدهمهم الخطر. بهيمية يعرف لانثيموس كيف يصوّر فظاعتها، ليترك أثرها ماثلاً فينا لفترة من الزمن.



Digital solutions by