Digital solutions by

القائمة

الأولى

مقالات

كتّاب النهار

منبر

قضايا

إقتصاد

مدنيات

تربية وشباب

مدنيات

أدب

سياسة

محليّات

عرب وعالم

أســرار الآلـهة

رياضة

منوعات

البلد والناس

العلم والعالم

خدمات

اعلانات مبوبة

وفيّات

أبراج

الأرشيف

أسعار الاعلانات

من نحن

الجريدة PDF

دارة آل سلام في المصيطبة تراث معماري وسياسي حوادث صنعت تاريخ البلد ومعالم تحفظ هوية بيروت

14 آب 2013 | 00:09

دارة آل سلام نموذج للعمارة التراثية. (ناصر طرابلسي)

في شارع ابو بكر الصديق في المصيطبة ترتفع منذ نحو 164 عاما دار بيضاء، بقيت صامدة، وحيدة بهندستها المعمارية التراثية في محيط من مبان من زمن جديد، وتعود الى آل سلام. ثلاث طبقات من الحجر الرملي، وشرفات ودرج وشبابيك واباجورات من الخشب، ودرابزون من الحديد المشغول، تزنرها حديقة تعبق برائحة القرنفل والورود واشجار زيتون ونخيل معمرة، ويكللها قرميد احمر، تعيدك الى زمن بيروت ايام العز والخير والرجال.

منذ نحو اربعة اشهر عادت الحياة تدب في البيت الذي كان شاهدا على حوادث سجلتها صفحات التاريخ السياسي الحديث، وكان لأصحابه على مر العهود، دور اساسي وفاعل في حوادثها، منذ الحكم العثماني، مرورا بمرحلة الانتداب، الى فترة الاستقلال، وصولاً الى اليوم، منذ ايام سليم علي سلام ثم ابنه صائب سلام. وها هو تمام اليوم، سليل آل سلام يفتح باب الدار، الذي لم يغلق اساساً، ليتابع المسيرة، بشبه اجماع رسمي قلما ناله رئيس حكومة مكلف من قبله.
يستعيد البيارتة القدامى بفرح الايام الخوالي التي امضوها في رحاب هذه الدار مع رئيس الحكومة الراحل صائب سلام، ويتحدثون بزهو عن تلك الفترة الذهبية، يوم كانت بيت الزعامة البيروتية العريقة، وفيها تصنع الحوادث، ومنها تصدر القرارات الوطنية.

محطات تاريخية
محطات مهمة ومميزة مرت على هذه الدار التي وضع حجر بنيانها العام 1845، وجعلتها شاهدة، واحيانا صانعة للحدث. ففي العام 1936 دعا سليم سلام، مناضلي البلاد ومفكريها واصحاب الرأي، الى مؤتمر اسموه "مؤتمر الساحل" للنظر في المسألة اللبنانية ومصير المنطقة، واتى الخطباء من كل صوب، يومذاك شارك الشاب صائب في المؤتمر بشكل فعال، فكلف ودوّن وقائعه ومقترحاته الى جانب امناء رسميين. وكان اول عمل سياسي تشهده اروقة دارة المصيطبة، وفيها استضاف ابو علي الاجتماع الذي اعلن فيه وجهاء المدينة واعيانها تأليف الحكومة العربية المحلية، الموالية لتنصيب الامير فيصل ملكا على سوريا ضد الانتداب الفرنسي.
وفي الاربعينات لعبت هذه الدار ايضا دورا مهما في التهيئة لمرحلة الاستقلال، وفيها وضع محضر اول جلسة عقدها مجلس النواب ابان الانتفاضة الاستقلالية خارج مبنى الندوة النيابية في تشرين الثاني 1943، ووقعه النواب الذين زاد حضورهم عن الاكثرية النيابية المطلوبة، اذ بلغ عددهم 33 نائباً. وفي ذلك اليوم اعلنت سلطات الانتداب منع التجول ابتداء من الساعة السادسة. وفي اليوم التالي عقدت جلسة نيابة ثانية في هذه الدار، وازداد عدد النواب الذين اتوا من المناطق ووقعوا محضر جلسة اليوم السابق.
كان هذا البيت ايضاً مقراً لاجتماع الزعماء السياسيين اللبنانيين الذين خاضوا ثورة الاستقلال، غداة اعتقال سلطات الانتداب الفرنسي اعضاء الحكومة وسجنهم في قلعة راشيا، فشكلوا فيه في 12 تشرين الثاني 1943، حكومة ظل، ومكث صائب سلام في الدار، ولم يخرج منها كي لا يتعرض للاعتقال.
ولم تغب حوادث العام 1958 عن هذا البيت العريق، حيث تشكلت "جبهة الاتحاد الوطني" التي ضمت صائب سلام وكمال جنبلاط وصبري حمادة ورشيد كرامي وحميد فرنجية وآخرين، بهدف اسقاط رئيس الجمهورية في حينه كميل شمعون ومنع التجديد له. وبالفعل بعد اتفاق اميركي - مصري، تبلغه صائب سلام عبر برقية من جمال عبد الناصر، وأبلغه بدوره الى اعضاء الجبهة، على ما يروي الزميل الياس الديري الذي عايش هذه الدار منذ تلك الايام، انتخب فؤاد شهاب رئيسا للجمهورية بعد انزال نفذه الاسطول السادس الاميركي على شاطىء الاوزاعي.

آخر عشاء لعرفات
حتى رئاسة الجمهورية كانت لها محطة في دار المصيطبة. فعشية الانتخابات الرئاسية في آب 1970، اجتمعت في رحابها "كتلة الوسط" المؤلفة من صائب سلام وكامل الاسعد وسليمان فرنجية، اضافة الى حبيب كيروز وعبد اللطيف الزين وعبد المجيد الزين، وأعلنوا منها ترشيح سليمان فرنجية الى الرئاسة. وفي اليوم التالي توجه صائب سلام وكامل الاسعد وريمون اده وسليمان فرنجية الى مجلس النواب في ساحة النجمة بسيارة صائب بك، وانتخب فرنجية رئيسا للجمهورية بفارق صوت واحد، سماه غسان تويني في افتتاحيته في جريدة "النهار" في 18 آب "الصوت الواحد.. صوت الشعب".
لعبت هذه الدار كذلك دوراً كبيراً اثناء الاجتياح الاسرائيلي للبنان العام 1982، وكانت محور الاتصالات للتوصل الى اتفاق لفك الحصار عن بيروت وخروج الفلسطينيين منها. وشهدت عقد "الاجتماع الاسلامي الموحد" الذي حضره الى جانب سلام كل من نبيه بري ووليد جنبلاط وشخصيات اسلامية اخرى. ويروي الكاتبان باري روبن وجوديث كلوب في كتابهما "ياسر عرفات: سيرة سياسية"، ان "العشاء الاخير لياسر عرفات في لبنان كان في هذه الدار في 2 تموز1982، واشتمل على لحمة ولبن بارد وباذنجان، لكن عرفات اكل زيتونا فقط".

اشعار بالرحيل
لكن سياسة صاحب الدار التي كانت ترفع شعار "لا غالب ولا مغلوب" وتدعو الى "التفهم والتفاهم" لم تكن ترضي بعض الاطراف. ففي اواخر آذار 1985 سقطت قذيفة صاروخية على منزل صائب سلام تحت غرفة نومه بالذات، فأيقن انها رسالة مباشرة اليه، وغادر الى منفاه في جنيف حيث مكث حتى عودته الى بيروت في 20 تشرين الاول 1994 من دون ان يعاود حياته السياسية حتى وفاته العام 2000 عن 95 عاما. وكان الرئيس رفيق الحريري اول زائر لدار المصيطبة بعد عودة الرئيس سلام من منفاه، مهنئا بسلامة الرجوع بقوله له "نورت بيروت ولبنان يا دولة الرئيس". وقد أمها بعد عودته نحو 30 الف شخص، وفقا لاحصاءات مكتب الدار.
ويروي فيصل القواص المسؤول عن "مركز التوثيق لارشيف صائب سلام" ومستشاره الاعلامي مدة 30 عاما، انه ذات يوم زار الرئيس شارل حلو دار المصيطبة من دون موعد سابق، ولم يكن قد اصبح رئيسا بعد، وكان صائب سلام في اوج خصومته للرئيس شهاب والمكتب الثاني. وصل فجأة وطرق الباب، كان الحارس وحده موجودا في الدار، وكان البيك في الدوحة. كانت الدار مشموسة سياسيا، وقلة يتجاسرون على خرق الحرم الشهابي المفروض على صائب سلام. تناول الرئيس قلمه وكتب على مفكرة صائب بك رسالة صغيرة، ثم التفت الى الحارس وقال له، بلغ دولة الرئيس تحياتي واعتذاري لانني اتيت من دون موعد. وضحك حلو وهو يتابع وقال: الحق على الهاتف. ولدى عودته من الدوحة قرأ سلام على مفكرته ما كتبه حلو، وكان مؤثراً جداً: "وحالات الزمان عليك شتى.. وحالك واحد في كل حال".

تمام للاتمام
لم تغلق دار المصيطبة ابوابها يوما وبقيت مشرعة امام الناس، وتابع تمام مسيرة عائلته العريقة سياسيا وخدماتيا، وبقي يستقبل زائريه في مكتبه وقاعتين كبيرتين، ومن دون مواعيد مسبقة، خصوصا قبل ظهر الاحد، تزين جدرانهما لوحات لمواقع من بيروت العتيقة. ومن حديقتها، وعلى وقع الاغنيات الوطنية اعلن، في 8/8/2000 لائحته الانتخابية التي حملت اسم "التوافق الوطني". وتعج الدار اليوم بالموفدين "الرايحين والجايين"، وتكتم بين غرفتها واروقتها أسرار المحادثات والمفاوضات لتشكيل حكومة "المصلحة الوطنية"، الشعار الجديد لآل سلام.

نموذج تراثي
البيت الذي ولد فيه صائب سلام وابناؤه، وعاشوا طفولتهم وترعرعوا في اجوائه وبين ممراته وغرفه، لم يكن بيتاً عادياً، ويمثل نموذجاً لعمارة التراث اللبناني في اواسط القرن التاسع عشر. يتألف من طبقتين، ودور ارضي مبني من العقد الحجر بناه ابو علي سلام العام 1845، وعرف في حينه بـ "برج المصيطبة" نسبة الى موقعه المشرف والمطل على هضبة المصيطبة. وشيدت الطبقة الاولى العام 1871، واستكمل البناء بشكله الحالي مع الطبقة العلوية عام 1920.
كانت حديقة الدار فسيحة، الا ان توسعة الطريق امامها اختصرتها. وفي الجهة الخلفية من المبنى تأسس "مركز صائب سلام للمعلومات والارشيف" الذي يضم كل ما يتعلق بالرئيسين صائب وتمام سلام من معلومات مصنفة في 632 ملفاً، تحتوي على 25 ألفاً و776 وثيقة. وفيه ملفات لصور الرئيسين تحتوي على 18 ألفاً و549 صورة، مصنفة في 1844 بطاقة، تحكي رحلة آل سلام في تاريخ السياسة اللبنانية والعربية.

may.abiakl@annahar.com.lb

Digital solutions by