Digital solutions by

هنا الطريق الجديدة، هنا مقر "أبو عمار"

13 نيسان 2017 | 23:26

المصدر: "النهار"

صورة لـ"أبو عمار" في الطريق الجديدة خلال الحرب الأهلية.

هنا الطريق الجديدة، مقر الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات وقيادات المقاومة الفلسطينية على مدى أعوام. المنطقة الشاهدة على مرحلة الاجتياح الاسرائيلي والحرب الاهلية، تروي بعد سنوات قصة شعبين عاشا جنباً الى جنب اصعب المراحل التي مرّ بها لبنان، واجها خلالها الموت قبل ان يخرجا معاً من تحت الانقاض.

أحد احياء الطريق الجديدة لا يزال يحتفظ بندوب الحرب، هو شارع الفاكهاني الذي اختاره الرئيس عرفات مركزاً له لعشر سنين. المشهد يوحي وكأن الحرب انتهت في الأمس، دمار كبير في عدد من المباني، الأمر الذي يشعر الناظر بهول المعاناة، لا بل يقوده احساسه الى اعتقاد ان رائحة الدم والبارود لا تزال تفوح في الاجواء.



في هذه المنطقة الشعبية يختلط الفلسطينيون مع اللبنانيين، لا إمكان للتمييز بين جنسية شاب وآخر الا عند الحديث معه، لكون اكثر الفلسطينيين لا يزالون يحتفظون بلهجة بلدهم. هم فخورون انهم باتوا نسيجاً اساسياً من المنطقة التي استقر فيها زعيمهم لفترة، متنقلاً بين ابنيتها. يشرح احدهم " في هذه الابنية المنهارة كانت مراكز القيادة الفلسطينية، الطبقة الثانية من هذا المبنى كانت غرفة عمليات ابو عمار، الذي كان يتحرك تحت الارض في سراديب. مخازن اسلحة منظمة التحرير لا تزال على حالها، ونحن سعداء ان رمز القضية الفلسطينية اختار السكن بيننا". لكن لماذا لم يعاد اعمار الابنية المهدمة، عن ذلك أجاب "لكونها أملاكاً خاصة، عندما كان ابو عمار في المنطقة اعطى امراً باعمار كل ما دمرته الغارات الاسرائيلية وبالفعل خلال شهرين عاد الشارع افضل مما كان عليه، لكن بعد تهديمه للمرة الثانية كانت منظمة التحرير قد انسحبت".

عزّ رغم الحرب

نحو 75 الف فلسطيني، و250 الف لبناني تضم الطريق الجديدة، وبحسب المختار محمود برجاوي حصل "تعايش وانصهار فلسطيني لبناني منذ عشرات السنوات، ازداد مع الأيام، إلى درجة أنه لا توجد عائلة في الطريق الجديدة من دون أن يكون لديها اقرباء يحملون جنسية الطرف الآخر. الأمر الذي طبع المنطقة بهوية مميزة هي خليط من اندماج بين ثقافتين مختلفتين". وأضاف "لا ينسى ابناء الطريق الجديدة أيام العز الذي عاشوها لنحو عشر سنوات عندما سكن الرئيس ياسر عرفات بينهم، حيث كان يدفع رواتب ومخصصات وأموال لكل الناس، لم يكن هناك لا محتاج، لا سرقة ولا تعديات. كان ذلك قبل الاجتياح الاسرائيلي للبنان الذي أنهى ظاهرة أبو عمار بعدما قصف الطيران الحربي المعادي مقاره في شارع الفاكهاني، لكن اخبارية وصلت الى الرئيس الفلسطيني دفعته للخروج قبل خمس دقائق من الغارات".

ومن المشاهد التي استذكرها المختار " كنت أقصد المتحف أيام الحرب الاهلية، لمرافقة أصدقائي المسيحيين الى شارع صبرا حيث رخص الاسعار لا مثيل له، يشترون ما يحتاجون من مونة قبل أن يعودوا أدراجهم، لم نكن نسمح للفلسطينيين بالتعرض لهم". ولفت إلى ان "اهالي طريق الجديدة وقفوا مع الفلسطينين معنوياً اكثر منه قتالاً، حتى السبت الاسود لم نشارك الى جانبهم فيه على الرغم من سقوط شهيدين لنا".

تغيير على مختلف الاصعدة

على الرغم من ان الطريق الجديدة احدى المناطق الحديثة لبيروت التاريخية، التي لا يزيد عمرها على مئة عام، لكن بحسب ما شرح الاستاذ في جامعة بيروت العربية الدكتور حسان حلاق لـ"النهار" فإن مراحل عدة تركت بصماتها عليها حتى وصلت الى ما هي عليه اليوم. ويقول: "بعد الحرب العالمية الاولى بدأت العائلات البيروتية تتوافد من مختلف المناطق البيروتية الى منطقة الرمل التي عرفت في ما بعد باسم الطريق الجديدة، لكن التطور البارز الذي حدث في المنطقة والمفصل التاريخي كان في العام 1948، عام الهجرة الفلسطينية الى الاردن ولبنان وسوريا وسواها نتيجة العدوان اليهودي والاسرائيلي على فلسطين العربية. بعض هؤلاء توطنوا في الطريق الجديدة في املاك عمر بك الداعوق المحاذية لدار العجزة الاسلامية فضلا عن مخيمات متناثرة في منطقة صبرا وشاتيلا. هذا التغير الديموغرافي في المنطقة المحاذية تماما لمنطقة الطريق الجديدة احدث تغيراً اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً فيها".

"كانت الطريق الجديدة الاكثر تفاعلاً مع اللاجئين الفلسطينيين، الذين بعدما تبين لهم ان قضيتهم طويلة المدى، بدأوا بالتفاعل مع القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ومن المفاصل الرئيسية للتدخل الفلسطيني في الشأن اللبناني هو العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، حيث كان الفلسطينيون في مقدمة التظاهرات التي نظمت في مختلف المناطق اللبنانية. وعندما قامت الثورة في عام 1958 ضد حكم الرئيس كميل شمعون، حدث تطور بارز يمكن ان نطلق عليه التطور العسكري الفلسطيني" يقول حلاق. ويضيف "كما كان للفلسطينيين دور بارز من عام 1975 تاريخ الحرب الاهلية الى الاجتياح الاسرائيلي ومن ثم الانسحاب العسكري الفلسطيني في عام 1982. فقد توطنت المقاومة الفلسطينية تتقدمها منظمة فتح عسكريا وسياسيا تحديدا في منطقة الطريق الجديدة، والكثير من الزعامات سكنت فيها، منهم ابو اياد وياسر عرفات".

 لكن من حكم بيروت والطريق الجديدة في تلك الفترة؟ عن ذلك يجيب حلاق "القرار وان كان مشتركاً بين المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية لكن الكلمة الفصل كانت للمقاومة الفلسطينية قبل انسحابها في العام 1982 الى البقاع، سوريا، تونس وغيرها من الدول العربية".

عصر ذهبي بعد فتور!

من الجانب الفلسطيني اعتبر المسؤول الاعلامي لحركة "فتح" في بيروت حسن بكير أن "العلاقة بين الطرفين اللبناني والفلسطيني كانت فاترة خلال السبعينات قبل أن تتطور مع الوقت لا سيما اثناء حرب المخيمات في العام 1985، حيث فتح اهالي الطريق الجديدة منازلهم للفلسطينيين، ثم وقوف الحركة الوطنية الى جانب منظمة التحرير وتصديها للقوات الاسرائيلية في منطقتي المتحف والمزرعة لتصل العلاقة بين الشعبين الى عصرها الذهبي قبل ثلاث سنوات بدليل ان قوى لبنانية بدأت تطالب بالحقوق المدنية للفلسطينيين. حصل تنسيق على الصعيدين السياسي والاجتماعي، وستتحسن اكثر عندما يأخذ الفلسطينيون حقوقهم لا سيما حقهم بالتملك والعمل". الفلسطينيون باتوا راسخين في نسيج طريق الجريدة.  


Digital solutions by