Digital solutions by

كيف يريد العالم أن تنتهي قصة عبد الله باليأس أو الأمل أو الانفجار؟

5 نيسان 2017 | 20:21

المصدر: "النهار"

أصاب رئيس الحكومة سعد الحريري عندما روى قصة المواطن عبد الله أمام ممثلي الدول والحكومات والمنظمات المجتمعين في بروكسيل في إطار متابعة الدعم الدولي لسوريا ودول الجوار إستكمالاً لمؤتمر لندن العام الماضي.

فالرواية التي تجسد معاناة عائلة لبنانية فتحت أبوابها أمام النازحين السوريين، يفترض أن تشكل تعبيراً صارخاً وعملياً للأزمة التي بلغها لبنان ليس نتيجة النزوح السوري فحسب، وإنما نتيجة مرور 7 أعوام على هذا النزوح من دون أي مواكبة كافية مالياً ولوجستياً من المجتمع الدولي لهذه القنبلة الموقوتة، كما وصفها رئيس الحكومة في كلمته أمام المؤتمرين.
والواقع أن الأسرة الدولية التي تجتمع للمرة الثالثة بعد مؤتمري الكويت ولندن، مطالبة بالتعاطي بمزيد من المسؤولية والجدية مع هذه الازمة، لأن القنبلة الموقوتة، متى إنفجرت لن تطال شظاياها لبنان فحسب، وإنما أوروبا بفعل إنهيار آخر بوابة أمام إنتقال هذه الأزمة إلى الداخل الاوروبي بشكل أقوى وأفظع مما كان مع إندلاع الحرب. ذلك أن لبنان سيكون امام خيار لا ثاني له وهو فتح شواطئه امام النازحين بحثاً عن فرص الحياة، بعد إنعدامها على أراضيه!
ما يدعو إلى هذه الخلاصة المقلقة أن لبنان لم يعدم وسيلة منذ بدء الحرب السورية للتعامل مع الأزمة المستجدة. فبعد الاستضافة "الاسطورية" (كما وصفها فيليب لازاريني، المنسّق المقيم للأمم المتحدة في نداء له عشية المؤتمر)، بدأ المجتمع اللبناني يتلمس تداعياتها مستوى عيشه، وعلى فرص عمله، وآفاق مستقبله. وهي تداعيات بات متعذراً وربما مستحيلاً على اللبنانيين التعايش معه من دون مد يد العون لهم.
وللتذكير فقط، يكشف لازاريني عن ان حجم الدعم الدولي بلغ منذ 2011 نحو 5 مليارات دولار وان الدعم المعقود للبنان في 2016 بلغ مليار ونصف المليار دولار. ولكنه يستطرد مؤكداً ان "الدعم السخي لم يكن كافياً" ولا سيما منذ العام 2014 "لتحويل مسار الأمور عن تعميق الفقر بين اللاجئين ومكامن الضعف التي تؤثر على المجتمعات المضيفة في لبنان واللاجئين على حدّ سواء، كاشفاً أن تقييم عام 2016 لمكامن الضعف لدى اللاجئين أظهر أن الأسر تعيش في أدنى المستويات المعيشية بعد أن استنفدت مواردها المحدودة منذ فترة طويلة، وأن 70.5 في المئة من اللاجئين يعيشون تحت خط الفقر بحوالي 3.8 دولاراً في اليوم، فيما يعيش نحو 30 في المئة من سكان لبنان تحت خط الفقر، و10 في المئة يعيشون في فقر مدقع.

لقد حمل رئيس الحكومة الى المؤتمر تشخيصا واقعيا للأزمة، مقرونا بخطة وبطلب لتمويله بلغ 10 مليارات دولار.
ما فعله الحريري في مؤتمر بوكسيل سبقه إليه قبل عام رئيس الحكومة السابق تمام سلام إلى مؤتمر لندن، وقبل عامين إلى مؤتمر الكويت.
في لندن، طالبت الحكومة اللبنانية بمبلغ مماثل: 7 مليارات دولار على شكل قروض ميسرة، و3 مليارات على شكل هبات على مدى 5 سنوات. لم يحصل لبنان على اكثر من 15 في المئة من هذا المبلغ.
ما حذر منه #الحريري في بروكسيل، حذر منه ايضا سلام في لندن. ورغم ذلك لم يحرك المجتمع الدولي ساكناً. وبإستثناء الوعود والكلام الطيب عن اللبنانيين وتضحياتهم وحسن ضيافتهم، ظلت المساعدات دون الطموحات، فيما الازمة الداخلية تتفاقم، ليس في بعديها الانساني والاجتماعي فحسب وإنما في ابعادها السياسية والاقتصادية والامنية. والقنبلة الموقوتة على وشك الانفجار، وقصة عبد الله قد لا تنتهي وفق الخيارين اللذين وضعهما لها الحريري بالأمل أو باليأس، بل بالانهيار إذا لم يتم تدارك خطورة ما بلغته الازمة.
وهذا يتطلب من الأسرة الدولية مقاربة مختلفة عن مقاربتها السابقة. فإبقاء هاجس اللاجئين بعيدا من الحدود الاوروبية لا يتحقق بمساعدات تأتي بـ"القطارة". والتعاطي مع الأزمة من خلال مقاربة الجوانب الاجتماعية والانسانية والاستشفائية والتعليمية لم يعد كافياً إذا لم يقترن بمقاربة عملانية للجوانب الاقتصادية والسياسية، وهو ما أشار إليه الحريري عندما دعا إلى الاستثمار في الأمل وفي الاستقرار. وهو ما يجدر التوقف عنده لما يحمله هذا الاستثمار المزدوج من دلالات:

- فالاستثمار في الأمل عبر فتح المجال أمام خلق فرص عمل للبنانيين والسوريين على السواء يؤشر إلى أن توقعات الحكومة لعودة محتملة للاجئين لن تكون في المدى المنظور، ما يستدعي إحتوائهم في سوق العمل اللبنانية تحت سقف القوانين المرعية.
- وهذا يقود إلى الاستثمار الآخر الداعم للاستقرار والذي يرمي إلى حجز مكان للبنان في عملية إعادة إعمار سوريا، بعدما بات واضحا أن الشركات الاميركية والاوروبية بدأت تعد العدة لهذه المرحلة الآتية مهما طال أجل الحرب. وإنهيار لبنان إقتصاديا نتيجة عبء النزوح لن يجعله في موقع تنافسي لخوض هذه المرحلة.
لكن الأهم في كل هذا المسار أن يحسم المجتمع الدولي قراره في شأن ما يريده من لبنان ومن الوجود السوري على أرضه: هل يكون المستودع في إنتظار العودة الآمنة تلافياً للهجرة نحو أوروبا، أو يكون تمهيداً للتوطين الذي زل لسان الامين العام السابق للأمم المتحدة مرة في شأنه مثيراً موجة عارمة من الاستياء في الأوساط اللبنانية لا تزال مفاعيلها تتردد حتى يومنا هذا؟

Digital solutions by