Digital solutions by

"محبس" صوفي بطرس وقع من اصبعها!

30 آذار 2017 | 17:55

المصدر: "النهار"

"محبس" لصوفي بطرس فيلم هلامي، شأنه شأن مَن يبحث عن طريق آمنة وسط الغابة. فيلم بألوان مريحة وشخصيات لطيفة وحبكة تخدم توقعات المتلقّي. الحكاية، هي باختصار عن لقاء بين عائلتين، واحدة سورية وأخرى لبنانية، في مناسبة خطبة ولديهما. هل يستطيع الحبّ والتآلف والاستسلام لما يقرّب الناس بعضهم من بعض (أغنية، ذكرى جميلة، جلوس إلى مائدة، مستقبل، إلخ)، أن يكون محفزاً لقفزهم فوق الأفكار المسبقة؟ أم أنّ التراكمات كثيرة جداً إلى درجة أنّها تحتاج إلى أكثر من ذلك؟

أياً يكن، نحن إزاء نصّ يقطع عنك الإحساس بالأشياء، يسطّح الكوميديا الرومنطيقية، يرتجل بعض الاستنتاجات السريعة، ولا يفضي إلى أيّ مكان في آخر الدقائق الاثنتين والتسعين التي يستغرقها. فضلاً عن أنّ الكاميرا ترصد الوجوه في معظم الفصول، في منحى تلفزيوني واضح، ما يعرقل صلتنا بالمكان، لا بل يتسبّب بغربة عنه.

الهلامية هنا ليست امتداداً لثقافة الزيف والتنقيح التي أصبحت صنو معظم الإنتاج السمعي - البصري في لبنان. مصدرها هذه المرة هي الباحة الخلفية للفيلم، أو في حيّز اللاوعي الذي يتبلور فيه. لا شيء مهماً يقوله الفيلم على الإطلاق عن العلاقة بين السوريين واللبنانيين، خلافاً لما تعلنه المخرجة في عدد من مقابلاتها، لكنها، في المقابل، تقول بعض الأشياء عن "بعض" السوريين و"بعض" اللبنانييين، وهو الآتي: انعدام التواصل الذي تتجلّى عوارضه حتى في نمطين من التمثيل والتحرّك في الكادر؛ فمن جهة ثمة الممثلون السوريون الذين يطلّون بشيء من الرصانة، ومن جهة أخرى الممثلون اللبنانيون الذين يأتون بميوعتهم وركاكتهم. هذا التضارب يحول دون تولّد أيّ شرارة بين الجهتين. هذه هي العقدة الأكبر العصية على التجاوز. فيقع الفيلم نفسه في ما يحاول إدانته. في النتيجة، يوصلنا إلى استنتاج معاكس لما يتم البناء عليه كخلاصة. عموماً، هذا النوع من #السينما يكشف العقل الباطني لصنّاعه أكثر مما يكشف الملف الذي يقاربه.

ثمة إشكالية كبيرة في طرح السينما الخفيفة في لبنان. السينما الخفيفة غير الملتزمة القضايا الكبرى، لا تعني السطحية والاستعجال والتعثّر، بحيث يتم المرور على مئة سؤال في الدقيقة من دون التأخر عند أيّ منها. "محبس"، أحد هذه الأعمال التي تضمر نية معيّنة في تصفية حساب مع تاريخ طويل من التجاذب بين لبنان وسوريا، لكنه يخفق في ايجاد دلالات سينمائية تفي بالغرض. النيّة طيبة، الإمكانات موجودة لكنّ الخيال محدود. وفي ظلّ غياب المحاججة، يبقى الفيلم محصوراً في إطار الكوميديا الساذجة التي تعوّض عن بعض الملل بعد ظهر يوم أحد. حتى جوليا قصّار الجيدة عادةً، لا تجد مكانها في الفيلم، فأداؤها يستند إلى الحركات المتوقعة، وهي ترسل أكثر من إشارة غرق. بقية الممثلين يكرّرون تقنيات تمثيل اعتدناها في السينما اللبنانية الشعبية، ولعلّ أكثر مَن تصيبه علّتها هو علي الخليل الذي يضطلع بدور الزوج المتمسكن، رئيس بلدية بلدة صغيرة (زائفة)، تربطه علاقة غرامية بسكرتيرته. لا قدرة للنصّ، من شدة عاديته، على انتشال الجميع من النمط التلفزيوني في التحرّك والنطق والتأطير والقطع، ليبدو الجميع في النهاية أسرى مشروع يفتقر للطموح.

في موازاة حكاية الزواج، نشاهد قضية تنازع مضجرة على إحدى أراضي القرية يصوّرها الفيلم بكاريكاتورية مقلقة، خدمةً لفكرة سياسية (حقّ يراد منه باطل)، مفادها أنّ السوري شارك في فكّ النزاع بين أخوين لبنانيين متقاتلين، إذ نرى والد العريس يتدخّل في النزاع فيفضّه. فكرة أخرى قد تبدو لوهلة مغرية على الورق ولا تثمر على الشاشة، وهي ربط العائلة السورية بالطبقة البورجوازية الصغيرة، في حين أنّ العائلة اللبنانية من بيئة أكثر تواضعاً، فهي من الأسر المتوسطة التي تقيم في الريف. الرفاهية واضحة من المظاهر الاجتماعية التي تغلب على العائلة السورية، تماماً مثل وضوح سلوكيات العائلة اللبنانية الريفية البسطية. إلا أنّ هذه المحاولة للتذاكي من جانب السيناريو تبلع الهدف الأساس للفيلم، فيظهر الصراع كأنه بين طبقتين، أو بين عقلية تنتمي إلى المدينة وأخرى تتحدّر من الريف. هذا، بالإضافة إلى تحميل الأمّ (قصّار) كلّ الذنوب، فإهمالها هو المسؤول عن كلّ شيء. أليس هذا حلاً سيناريستياً سهلاً؟ تستند بطرس إلى حكاية أفراد، تفادياً لأي انتقاد يطالها في شأن التعميم، إلا أنّها تعبر بهم إلى الحيّز العام، إذ لا يبدو أنّ ثمة أيّ مجال ليبرز صوت آخر مختلف، غير أولئك الذين أعماهم الحبّ.

(*) يُعرض حالياً في الصالات اللبنانية.

 

Digital solutions by