Digital solutions by

النبيذ الفرنسي من أين الإمساك بردائه؟

30 آذار 2017 | 15:23

المصدر: "النهار"

لا يسمّون فرنسا أرض النبيذ عبثًا. فما إن تطأ أرض هذه البلاد الرائعة حتّى تشعر برغبة عارمة في تذوّق أنواع النبيذ كلّها. بلاد الفلاسفة والشعراء والعشّاق هي أيضًا بلاد الكرمة المعطاء التي تقدّم لهذا العالم البائس حوالى 20 في المئة من أفضل أنواع نبيذه إلى جانب إيطاليا وإسبانيا.

صحيح أنّك آتٍ من لبنان، بلاد "كسارة" و"كفريّا" و"مسايا" و"إكسير" و"دومين وردة" وغيرها. صحيح أنّ "عينك شبعانة" من الأحمر والأبيض والوردي الذي لا يعترفون به هنا أصلاً. كلّها أمور صحيحة. إنّما يجب أن تتركها خلف ظهرك لأنّ المعادلة هنا مختلفة. فتذوّق النبيذ ليس كلمة تتمّ بسهولة. هنا يجب أن تكتشف النبيذ من جديد، فقد أصبحتَ يا مسكين في أرض النبيذ الذي لا يرحم.
للنبيذ في بلاد "الفرنسيس" كما كان يسمّيهم رفاعة الطهطاوي، سنن وقوانين وشرائع أكثر ممّا للدولة اللبنانيّة بأكملها من سنن وقوانين وشرائع. تسميات وتصنيفات وأرقام وأحرف. كلّها لها معانٍ، كلّها لها تأويلات. اسم "نيكولا" نفسه بات في فرنسا يمثّل متجرًا متخصّصًا بالنبيذ منذ العام 1822. متجر أريستوقراطيّ مخيف لا يستقبل سوى نخبة العارفين بالنبيذ، أولئك الذين يثيرون في نفسك الرهبة والحسد. وتقع على نيكولا أينما ذهبت وكيفما نظرت، تراه بالأحمر والأصفر يبتسم لك بغرور كأنّه ضمير هذه الأرض التي لا ترحّب إلاّ بالمتذوّقين المهرة.



تتوجّه إلى مطعمك المفضّل لتناول وجبتك المعتادة التي لا تتعدّى التسعة أوروهات وتطلب معها النبيذ. لقد ارتكبتَ في هذه اللحظة عشرة أخطاء على الأقلّ، أخطاء فضحتك كطالب أجنبيّ مبتدئ لا يفهم شيئًا في النبيذ ولا يستحقّ ورقة الإقامة التي منحته إيّاها الدولة الفرنسيّة منذ بضعة أيّام. أوّلاً، لا يمكنك أن تطلب النبيذ! النبيذ ليس كلمة تُقال! يجب أن تحدّد اللون والمنطقة والبقعة الجغرافيّة والسنة وتاريخ ملء القنّينة. قد يسألونك حتّى عن طريقة وضع الزجاجة في الشاحنة التي أوصلت القنّينة إلى المطعم. تتلعثم، تضطرب، تشعر بالعرق "يهرهر" من جبينك. فتعتذر برصانة خانتك منذ الجملة الأولى وتطلب الماء. الماء؟ تكتشف أنّك ارتكبت خطأ مقيتًا. تنظر إليك النادلة شزرًا وتعود إلى خلف الكونتوار بنفور واضح. مَن يشرب الماء في باريس؟!
مناطق فرنسيّة تجترع النبيذ كما تتنفّس، فالفرنسيّون هم أكثر شعوب الأرض استهلاكًا للنبيذ بحسب إحصاءات وجدتَها على الإنترنت. تشعر بينك وبين نفسك بضرورة فهم معضلة تذوّق النبيذ التي تؤرق ليلك وتعكّر مزاجك نهارًا. تترك دروسك وصفوفك وكتبك لتجد حلاًّ لسؤال لا ينفكّ يدور ويدور في ذهنك: كيف يُشرب النبيذ؟



تشعر فجأة بحماسة جارفة تحضّك على متابعة صفٍّ في أصول تذوّق النبيذ. تذهب وتراك فرحًا بما تتعلّمه كفرحة التلميذ في أوّل يوم له في الحضانة. تتعلّم العبارات المخمليّة كمثل قدم الكأس وساق النبيذ أو ردائه، تتعلّم الفرق بين الألوان فالأبيض المائل إلى الصفرة أقدم من الأبيض الباهت، والأحمر الغامق خشبيّ الطعم مدوّره. تتعلّم الإمساك بالكأس من الأسفل ومراقبتها بتأنٍّ وصبر كأنّ أعجوبة ستُجترح أمامك. تتعلّم درجات الحرارة المناسبة. دورات النبيذ. السنوات. المناطق. تنظر حولك فتجد أنّ الجميع جدّي. لا أحد يبتسم. لا أحد يثمل. كأنّهم في مختبر تشريح. تلاعب رداء النبيذ في كأسك فينهرك الأستاذ. تتلعثم. تجمد. تنتظر لترى ماذا سيحصل. يعلّمونك استعمال عينيك وأنوفك وفمك. أنوف نعم. فمع النبيذ تكتشف أنّ لديك ثلاثة أنوف. الأوّل لتشمّ به النبيذ ما إن يُقدّم إليك. الثاني تستعمله لتتنشّق عطر النبيذ بعد أن تحرّكه قليلاً في الكأس. والثالث والأخير تستعمله بعد أن تكون بلعت البلعة الأولى، فتتمكّن بذلك من الشعور بتغيّرات طعم النبيذ. للبلعة الأولى قصّة طويلة ومعقّدة لم تبقَ في الصفّ لتسمعها. لقد هربتَ أيّها المسكين من بعد الأنف الثاني.



تكتشف في فرنسا النبيذ وشخصيّاته. فلكلّ لون وسنة ومنطقة شخصيّة. المسألة باختصار هي أنّك، وبطريقة أو بأخرى، أمام عنب متعدّد الشخصيّات وعليك بفهمها وتذوّقها بحرفيّة وأناقة. فتقرّر أنّك لن تستسلم. سوف تعود إلى الصفّ وإن بشيء من الخجل والتوتّر. ستعود وستتعلّم أصول البلعة الأولى، ستحفظ المناطق والسنوات والألوان. ستدرس. ذلك كلّه من أجل أن تتمكّن ذات يوم من دخول النيكولا المشؤوم المواجه لبيتك، نيكولا تراه صباح مساء ولا تجرؤ على الاقتراب من واجهته حتّى.
ذات يوم ستدخل باب متجر نيكولا ولن تتصبّب عرقًا أمام ربطة عنق البائع.

 

Digital solutions by