Digital solutions by

لبنان ليس في أفريقيا

21 آذار 2017 | 11:43

تصل إلى #باريس مزهوًّا بفرنسيّتكَ الأنيقة، وبفرنكوفونيّتكَ التي راقصتَها منذ الصغر. تسير الخيلاء، أنتَ الذي شربتَ وسهرتَ وسافرتَ وصادقتَ وأُغرمت. لكن ما لا تتنبّه إليه هو أنّ لبنان بلد صغير مغمور، وباريس عاصمة عالميّة كبيرة، والفرنسيّون قد يجهلون لبنان وموقعه ومتاهاته.

تجد نفسكَ ترتدي ملابس السهرة وتتحضّر نفسيًّا لدخول المجتمع الباريسيّ بدهاليزه وأروقته وسهراته الحمراء. تذهب إلى أمسيتكَ متأنّقًا متألّقًا جاهزًا لمدّ "جسور" الصداقات. ما إن تدخل قاعة اللقاء حتّى تناديكَ شلّة من الأصدقاء المجتمعين فتنضمّ إليهم وأنتَ تجد في هذه البداية بشرى خير. تسير أمورك بهدوء وسلاسة: أحاديث، نكات، "دردشات". إلى أن يقترب النادل منكَ ليسألكَ ماذا ستشرب، فتجيبه بلا تفكير: جاك دانيالز s'il vous plais.
الأمر طبيعيّ. لكنّك لا تكاد تستدير إلى الأصدقاء المتحلّقين إلى جانبكَ حتّى ترى الذهول يعلو وجوههم. "ألستَ مسلمًا؟" "أتشرب الكحول؟" لا تذكر أنّكَ قلتَ لهم شيئًا عن دينك. لا تذكر كيف وصلتَ إلى هذه المرحلة من الحديث. لكنّكَ تضحك في سرّكَ من مزجهم بين الهويّة العربيّة والهويّة الإسلاميّة. تضحك أكثر عندما تتذكّر سهراتكَ البيروتيّة المغرقة في الويسكي والتيكيلا والياغر. لو يعلمون أنّ أصدقاءكَ المقرّبين هم من المسلمين الذين لا يتوقّفون عن الشرب إلى أن يسمعوا صرخات كبدهم تطلب المساعدة. تضحك عندما تتذكّر الحمراء ومار ميخائيل والكسليك وجبيل وبدارو، عندما تتذكّر كمّية الكحول التي كانت تدخل الأجساد من دون أن تؤثّر فيها.

تروح تشرح لهم التاريخ، وتتبسّط بهدوء عقلاني في إبراز التمايز بين الإسلام والعروبة؛ تشرح لهم عن مسيحيّي الشرق في لبنان وسوريا والعراق وفلسطين؛ مركِّزاً على التنوّع الفكري والثقافي والحضاري لدى مسلمي الشرق، وبخاصّة الجيل الشاب منهم. تشرع في شرحك السوسيولوجيّ الأنتروبولوجيّ الشامخ إلى أن يأتيكَ سؤال يُقعِدك عن الإجابة، "يُكَرسِحُكَ" كما يقولون بالعامّية. لا يسألونكَ عن الجِمال ولا عن الصحراء ولا حتّى عن الأعراب. لم يخلطوا بين لبنان وبلاد الخليج، يا ليتهم فعلوا. يسألونك عن الحرّ عندكَ في أفريقيا. في أفريقيا!
من أين تبدأ؟ كيف تفسّر لهم أين يقع هذا البلد الصغير الغارق في جمال جباله ووديانه وشواطئه؟ (تعلم أنّكَ تبالغ هنا. فالزبالة "آكلة الأخضر واليابس" إنّما لا يمكن قول ذلك أمام "الأجانب"، عيب!)

سهرة تعارف أولى تمضيها وأنتَ تحاول أن تضع لبنان على الخريطة. لم تكن لتقول قرب إسرائيل، فهذه الجملة كانت لتطعنكَ في الصميم، لكنّكَ تعدهم بسفرة إلى لبنان ما إن يحلّ الصيف ليكتشفوه ويكتشفوا أهله.

لا تكاد تتلفّظ بهذه الجملة حتّى تشرق الوجوه ويبدأ التخطيط. لا تكاد تتلفّظ بهذه الجملة حتّى تشعر بالخوف. سهرة بأكملها أمضيتَها وأنتَ "تنفخ" بلبنان وعظمته وأهله، فهل يقع "الأجانب" على هذه العظمة إن زاروكَ في الصيف؟

Digital solutions by